دوائر الظلم

رانية مرجية

في حضن القانون،  ينام القهر ووجهه مغطّى بالشرعية،  تُغتصب العدالة خلسة،  ثم يخرج القاضي بكامل هندامه،  ليقول بثقة باردة:  “كل شيءٍ على ما يرام.”    في دوائر الظلم،  العين لا تبصر، بل تتلصّص.  دوائرها لا تشبه النور، بل الأقفاص،  ترصد الضحية لا لتنصفها،  بل لتعيد تشكيلها بما يتوافق مع هوى السلطة.  الفقير يُسمّى كسولًا،  والمقهور غبيًّا،  والعار يُعلَّق على رقبة الضعيف،  بينما ينجو الجلاد بابتسامة رسمية،  ويُكرَّم لأنه “طهّر الساحة من الشوائب”.    في دوائر الظلم،  كل ما هو أنثى يخضع للمساءلة:  صمتها يُتّهم بالتمرّد،  صوتها يُدان بالفجور،  جسدها يُفتّش،  ظلّها يُراقَب،  حتى الفكرة الصغيرة التي تراودها في ليلها،  تُدرَج في سجل الجرائم المؤجلة.    في دوائر الظلم،  الأم تموت كل يوم دون أن تُدفن،  تُدفن في أعباء لا تنتهي،  وفي لائحة واجباتٍ لا يُسمح لها بنقاشها.  الأب يخلع كبرياءه على باب الصيدلية،  ليشتري شريطًا من المسكنات،  والطفل يتعلم مبكرًا  أن الموت لا يحتاج إلى صراخ،  بل إلى قليل من الصمت…  وكثير من الانكسار.    الدوائر لا تنكسر.  فقد صُنعت لتلتفّ،  لتدوّرك في داخلها حتى تذوب ملامحك.  كل من يدخلها،  يصبح رقماً، ملفًا، قضيةً بلا عنوان.    لكن،  أحيانًا،  تكفي صرخة من قلبٍ لم يبلعه الخوف،  تكفي نظرة لا ترتجف،  تكفي كلمةٌ تُرمى كحجر في وجه الساكتين،  لتتشقق الجدران،  ويبدأ الضوء يتسلل من شقوق الصمت.    فهل تملك الجرأة؟  أن تخرج من الدائرة؟  أن تخلع عن عينيك قيد التعود؟  أن تقول: لا؟    أم أنك، ككثيرين،  ستُخفض نظرك،  وتدور…  وتدور…  وتدور…  في قلب  دوائر الظلم.

قد يعجبك ايضا