إعداد – التآخي
في عصر الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تشهد سياسات التعليم تحولا كبيرا بهدف دمج هذه التقنيات والاستفادة منها لتعزيز جودة التعليم وجعله أكثر ملاءمة لاحتياجات الطلاب المتغيرة.
وسياسات التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي، ستركز على التخصيص الفردي وعلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتخصيص مسارات التعلم لكل طالب على حدة. ستساعد الخوارزميات في تحليل نقاط القوة والضعف لدى كل طالب، وتقديم مواد تعليمية ومسائل تتناسب مع مستواه وسرعته في التعلم. هذا سيؤدي إلى إنهاء نظام “مقاس واحد يناسب الجميع” في التعليم.
ستُحدّث المناهج الدراسية لتشمل مواضيع تتعلق بالذكاء الاصطناعي، مثل البرمجة، وعلوم البيانات، والأخلاقيات الرقمية. هذا التحديث يهدف إلى إعداد الطلاب لوظائف المستقبل، التي سيعتمد الكثير منها على التكنولوجيا.
سيجري تطوير برامج تدريب مستمرة للمعلمين لتعليمهم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية. سيصبح دور المعلم مُيسّرا وموجّها للطلاب بدلا من كونه ناقلا للمعلومات.
ستعتمد سياسات التقويم على أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل أداء الطلاب بطرق أكثر دقة وشمولية. يمكن لهذه الأدوات أن تحدد الأخطاء الشائعة لدى الطلاب وتقدم تغذية راجعة فورية، مما يساعدهم على تحسين أدائهم بشكل مستمر.
الحكومات والمنظمات التعليمية ستشجع استخدام الذكاء الاصطناعي عبر تمويل المشاريع البحثية وتوفير الدعم المادي للمدارس والجامعات لتبني هذه التقنيات. يمكن أن يشمل ذلك توفير منصات تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أو برامج لتعليم البرمجة.
ستكون هناك حاجة ملحة لسياسات تنظيمية لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في التعليم. ستُركّز هذه السياسات على حماية بيانات الطلاب، وضمان عدم وجود تحيّز في الخوارزميات، وتحديد دور الذكاء الاصطناعي في عملية التقويم.
بشكل عام، ستُشجّع الحكومات والمنظمات التعليمية على تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. هذا التنظيم سيُركّز على إطار عمل شامل يضمن أقصى استفادة من هذه التقنيات مع حماية حقوق الطلاب والمعلمين.
إبداعات الماضي الذكية والتكنولوجيا الحديثة
كتب العالم والفيلسوف البريطاني برتراند راسل عام 1945 “يولد الإنسان جاهلا وليس غبيا، فما يجعله غبيا هو النظام التعليمي”.
ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن أدخلت كثير من البلدان المتقدمة تحسينات ملموسة على نظم التعليم، وصولا إلى التعلم القائم على المشاريع الذي يتطلب من الطلاب إجراء مقابلات واستطلاعات رأي ودراسات وأبحاث بشكل مشترك.
لكن بعد إطلاق شات جي بي تي نهاية العام الماضي، حذر إيلون ماسك من أنه يمكن لهذه التقنية أن تجعل الواجبات المنزلية عديمة الفائدة، وقال في تغريدة على منصة إكس “إنه عالم جديد.. وداعا للواجبات المنزلية!”.
لم يقتصر الأمر على التحذير، بل عبر بعض المفكرين عن خشيتهم من أن يُستخدم شات جي بي تي وسيلة لتجنب التعلم، وبالتالي وسيلة لنشر الغباء بين شريحة واسعة من الطلاب.

فيرى عالم اللسانيات والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي أن استخدام شات جي بي تي هو في الأساس “سرقة أدبية عالية التقنية” و”طريقة لتجنب التعلم”. ويرى أن قيام الطلاب بشكل غريزي باستعمال التكنولوجيا المتطورة لتجنب التعلم يعد علامة على فشل النظام التعليمي، “فإذا لم يكن النظام التعليمي جاذبا للطلاب ومثيرا لاهتمامهم ولا يتحداهم ولا يجعلهم يرغبون في التعلم، فسوف يجدون طرقا للهروب منه”.
أما الروائي الكندي ستيفن ماركي فيقول: “كانت المقالة، ولا سيما مقالة المرحلة الجامعية، مركزا للتربية العلمية والإنسانية لأجيال عديدة”. وأضاف: “إنها الطريقة التي نُعلّم بها الطلاب كيفية البحث والتفكير والكتابة. هذا التقليد بأكمله على وشك أن يتعطل من الألف إلى الياء”.
وانطلاقا من هذه النظرة التشاؤمية قامت عديد المدارس والمناطق والإدارات التعليمية حول العالم بحظر استخدام شات جي بي تي بالفعل وأضافته إلى قوائم حظر مواقع شبكة الإنترنت الأخرى الخاصة بها
أن نظام المدارس العامة في مدينة نيويورك الذي سبق له أن تبنى هذه السياسة، قام بتغيير موقفه في أيار الماضي وسمح للمعلمين باستخدام شات جي بي تي عندما يرون ذلك مناسبا. وللتخفيف من مخاطر الغش والانتحال بسبب استخدام شات جي بي تي، أطلقت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) المطور لشات جي بي تي تطبيقا باسم مصنف نص الذكاء الاصطناعي (AI Text Classifier) تم تصميمه للسماح لأي شخص -بما في ذلك المعلمين- بنسخ أي نص ولصقه وتحديد ما إذا كان مكتوبا بواسطة الذكاء الاصطناعي أم لا.
ولكن انتهى الأمر بإيقاف هذا التطبيق نظرا إلى معدل دقته المنخفض، فمثلا صنف هذا التطبيق بعض النصوص المكتوبة بوساطة البشر – مثل مسرحيات شكسبير وإعلان الاستقلال الأميركي – على أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي في البلدان النامية
إن مسألة ما إذا كانت البلدان النامية ستتمكن من مواكبة التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي في التعليم هي قضية معقدة؛ فمن جهة، هناك تحديات كبيرة قد تؤدي إلى تكرار الفجوة الرقمية القائمة، ومن جهة أخرى، هناك فرص فريدة يمكن أن تمكّن هذه البلدان من تحقيق قفزات نوعية.
وتشمل التحديات التي قد تؤدي إلى التأخر، البنية التحتية الرقمية، اذ ما تزال كثير من البلدان النامية تعاني من ضعف البنية التحتية للإنترنت والكهرباء، بخاصة في المناطق الريفية. هذه العوامل أساسية لتشغيل واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وبالتالي، فإن غيابها يمنع الكثير من الطلاب والمعلمين من الاستفادة من هذه التقنيات.
كما يتطلب تطوير وتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي استثمارات مالية كبيرة، سواء في الأجهزة والبرمجيات أو في تدريب الكوادر البشرية. وقد تجد البلدان النامية صعوبة في تخصيص الميزانيات المطلوبة لهذه الاستثمارات في ظل أولويات أخرى مثل الصحة والبنية التحتية الأساسية.
و تواجه هذه البلدان نقصا في الخبراء والمتخصصين في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات. وهذا النقص قد يجعلها تعتمد بشكل كبير على حلول مستوردة من الخارج، والتي قد لا تكون ملائمة لسياقاتها الثقافية والاجتماعية والتعليمية.
وفيما يتعلق بالمناهج التعليمية التقليدية، فقد تكون الأنظمة التعليمية في بعض البلدان النامية بطيئة في التكيف مع التغييرات، وتظل متمسكة بالمناهج وطرق التدريس التقليدية التي لا تُعِد الطلاب للمهارات المطلوبة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وبرغم التحديات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية للدول النامية للتغلب على بعض المشكلات التعليمية القائمة. فيمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تعويض نقص المعلمين المؤهلين، خاصة في المناطق النائية. يمكن أن توفر منصات التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي دروسا مخصصة وتغذية راجعة للطلاب، مما يقلل الاعتماد على وجود معلم لكل فصل دراسي.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر تجربة تعليمية مخصصة لكل طالب، حتى في المدارس التي تفتقر إلى الموارد. يمكن أن تُحلل الخوارزميات أداء الطلاب وتوفر لهم تمارين ومواد تعليمية تتناسب مع مستواهم، مما يُحسّن من نتائجهم بشكل فعال.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهل الوصول إلى كم هائل من الموارد التعليمية العالمية المتاحة عبر الإنترنت. يمكن للمنصات الذكية أن تُترجم وتُلخّص هذه الموارد وتُكيّفها لتناسب احتياجات الطلاب المحليين.
وقد تكون الاستثمارات الأولية في الذكاء الاصطناعي باهظة، ولكن على المدى الطويل، يمكن أن تُقلل من تكاليف التعليم. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تُقلل من الحاجة إلى الكتب المدرسية المطبوعة، وتوفر أنظمة تقويم تلقائية، وتُحسّن من كفاءة العملية التعليمية بشكل عام.
وفي المجمل، لتحقيق استفادة موازية للبلدان النامية، يجب أن تتبنى استراتيجيات وطنية شاملة تركز على سد الفجوة الرقمية. يجب أن تُولي هذه الاستراتيجيات أهمية لتطوير البنية التحتية، وتدريب المعلمين، وتطوير المناهج، والاستثمار في البحث العلمي المحلي لتطوير حلول ذكاء اصطناعي تناسب السياقات المحلية.
إن التخلف عن مواكبة التطور ليس حتميا، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للقفزة التنموية إذا تم التعامل معه بوعي وفعالية. ولكن بدون سياسات مدروسة ومستمرة، فإن الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية قد تتسع أكثر.
عن طبيعة الذكاء الاصطناعي
لابد لنا في هذه الدراسة من توضيح مغزى الذكاء الاصطناعي ومجالات استعماله، ما دام انه يتقدم بصورة لافتة ومن دون عودة الى الوراء.
الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI) هو فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى إنشاء أنظمة وبرامج قادرة على محاكاة القدرات الذهنية البشرية. وبشكل أبسط، يمكن تعريفه بأنه قدرة الآلة على التفكير والتعلم والاستنتاج واتخاذ القرارات وحل المشكلات بطريقة تُشبه تفكير الإنسان.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على خوارزميات معقدة تقوم بتحليل كميات هائلة من البيانات (بيانات ضخمة) لتتعلم منها وتستخلص الأنماط والقواعد. ومن ثم، تستخدم هذه القواعد للتنبؤ بالمستقبل أو اتخاذ قرارات أو إنجاز مهام معينة.
هناك أنواع مختلفة من الذكاء الاصطناعي، ولكل نوع مستوى من التعقيد، منها الذكاء الاصطناعي الضيق (Narrow AI)، هذا هو النوع السائد حاليا، وهو مصمم لأداء مهام محددة جدا، مثل التعرف على الوجوه أو الترجمة الآلية أو التوصية بالمنتجات.
اما الذكاء الاصطناعي العام (General AI): هذا هو المستوى الذي يطمح إليه الباحثون، اذ تكون الآلة قادرة على أداء أي مهمة فكرية يمكن للإنسان أن يقوم بها. لم يتم تحقيق هذا المستوى بعد. ويتواجد الذكاء الاصطناعي الفائق (Super AI): هو مستوى افتراضي تتفوق فيه الآلة على البشر في جميع المهام الفكرية.
ان مجالات استعمال الذكاء الاصطناعي واسعة ومتنامية باستمرار، من اهمها توفير مسارات تعليمية مخصصة لكل طالب بناء على أدائه واحتياجاته، و تقويم الواجبات والامتحانات تلقائيا، وتقديم تغذية راجعة فورية للطلاب، و برامج ذكية تجيب على أسئلة الطلاب وتقدم لهم الدعم على مدار الساعة.
وفي الطب يستعمل الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأشعة السينية أو الرنين المغناطيسي للمساعدة في اكتشاف الأمراض بدقة وسرعة، و تسريع عملية البحث والتطوير للأدوية الجديدة؛ كما تساعد الروبوتات الجراحية الجراحين في إجراء العمليات الجراحية بدقة متناهية.
وفي التسويق والإعلان، يقترح الذكاء الاصطناعي منتجات أو خدمات للعملاء بناء على سجل مشترياتهم وتفضيلاتهم (كما تفعل منصات مثل أمازون ونتفليكس)، و استهداف الجمهور بتحليل البيانات لتحديد الفئات الأكثر احتمالا لشراء منتج معين، مما يزيد من فاعلية الحملات الإعلانية. وفي النقل تستعمل أجهزة استشعار وخوارزميات ذكية للسماح للسيارات بالقيادة بنفسها دون تدخل بشري. وفي إدارة حركة المرور بتحليل بيانات المرور لتخفيف الازدحام وتوجيه المركبات.
ويعمل الذكاء الاصطناعي في مجال استعمال طائرات من دون طيار (الدرون) لتحليل صحة المحاصيل، وتحديد حاجة التربة للمياه أو الأسمدة بدقة. وتحديد أماكن انتشار الآفات الزراعية بشكل مبكر واتخاذ الإجراءات المطلوبة. و تستخدم في المطارات وأجهزة الهواتف المحمولة لتحديد الهوية.وكذلك في تحليل المعاملات المالية للكشف عن الأنشطة المشبوهة والاحتيالية. وفي التداول المالي الآلي بوساطة خوارزميات تقوم بتنفيذ عمليات الشراء والبيع في أسواق المال بسرعة فائقة.
وكذلك استخدام روبوتات الدردشة للرد على استفسارات العملاء وتقديم المساعدة، وفي تصميم خصوم افتراضيين يتصرفون بذكاء وتعقيد أكبر. ويستعمل الذكاء الاصطناعي في ترجمة الأفلام والمحتوى النصي والصوتي.
بعض سلبيات الذكاء الاصطناعي
تتضمن سلبيات الذكاء الاصطناعي عدة جوانب، منها مخاطر الخصوصية، وفقدان الوظائف، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا، والتحيز في القرارات، وتحديات أخلاقية. فضلا عن ذلك، هناك مخاوف بشأن فقدان المهارات البشرية، ونقص التفاعل البشري، والمخاطر المتعلقة بالأمن السيبراني، وإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل.
قد يؤدي جمع البيانات الضخمة من قبل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى انتهاكات للخصوصية إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح. يمكن أن تكون هذه البيانات حساسة وتتعرض للاختراق أو الاستغلال غير المصرح به .
يمكن لأتمتة المهام المتكررة من خلال الذكاء الاصطناعي أن تؤدي إلى فقدان الوظائف في كثير من القطاعات، مما يخلق تحديات اقتصادية واجتماعية .
يمكن أن يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى تراجع المهارات البشرية، حيث قد يعتمد الأفراد بشكل كبير على الأنظمة الذكية في اتخاذ القرارات وحل المشكلات، ويمكن أن تعكس خوارزميات الذكاء الاصطناعي التحيزات الموجودة في البيانات التي تدربت عليها، مما يؤدي إلى قرارات غير عادلة أو غير متساوية.
ويثير استعمال الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم أسئلة أخلاقية بشأن المساءلة، والخصوصية، والإنصاف. يجب معالجة هذه القضايا لضمان الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، ويمكن أن يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التعليم والاتصالات إلى تقليل التفاعل البشري، مما قد يؤثر على التطور الاجتماعي والعاطفي.
ويمكن استغلال الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل، مما يثير مخاوف بشأن الأمن والسلام العالمي؛ و يمكن أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي أهدافًا للقرصنة والهجمات الإلكترونية، مما يعرض البيانات الحساسة للخطر، و يمكن أن يؤدي إنتاج وتشغيل أجهزة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة النفايات الإلكترونية والتلوث البيئي.