التأخي / وكالات
عكست نظرة الحكومة المصرية إلى طبيعة الأزمة التي تعاني منها مؤسسات صحفية قومية فهما خاطئا لجذور المشكلة، في ظل الإصرار على اختزالها في النواحي الاقتصادية، من دون اكتراث بتجديد الدماء وتصعيد الكفاءات وتغيير الوضع التحريري الراهن، من خلال التعامل مع التطوير من منطلق رؤية مهنية .
وتابع صحافيون لقاء عقده رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي مع رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبدالصادق الشوربجي مؤخرا لمناقشة وضع المؤسسات القومية، لكن اللقاء لم يتطرق إلى أي ملف يرتبط بالتطوير المهني، وجرى اختزال الأمر في نواح استثمارية، وتعظيم استغلال أصول المؤسسات الصحفية .
وقال مدبولي إن إحدى الآليات المهمة التي يتم العمل عليها للنهوض بالمؤسسات والصحف القومية، هي تحسين وضعها الاقتصادي واستغلال أصولها بشكل أمثل من خلال حلول غير تقليدية تراعي التطورات والتغيرات التي طرأت على مجال الإعلام بصفة عامة، وعلى مجال الصحافة على وجه الخصوص .
وتجاهل اللقاء الحديث باستفاضة عن تجديد شباب الصحف القومية، وبدا خيارا مستبعدا في أجندة الحكومة، رغم المطالب المتكررة من خبراء الإعلام بحتمية تجديد الدماء وتعيين الشباب الذين تعج بهم كل مؤسسة كمدخل لعصرنة المحتوى ومواكبة متطلبات الجمهور الذي أصبح في شبه قطيعة مع تلك الصحف .
ويوحي المشهد الراهن بأن الحكومة ماضية في التعامل مع المؤسسات الصحفية كما هي بلا تغيير أو تطوير، المهم أن تتحمل كل مؤسسة الأعباء المالية بعيدا عن موازنة الدولة، ما يشي بأن السلطة فقدت الأمل في تغيير واقع الصحف وترغب في رفع يديها عنها تمهيدا للمزيد من الدمج بين الإصدارات .
وتعمل الحكومة على مساعدة المؤسسات الصحفية في تنمية مواردها ودفع العمل بملفاتها الاستثمارية، بالتوازي مع سداد الالتزامات المتأخرة، ما يسهم في توازنها ماليا والنهوض بها، وتجاهل النهضة الحقيقية المرتبطة بإجراءات لها علاقة بالمحتوى وطريقة تقديمه للناس والاعتماد على الكفاءات .
ويتفق الكثير من العاملين في المؤسسات الصحفية على أن الشيخوخة فيها قادت إلى التراجع تنمويا ومهنيا، مع أن كل مؤسسة تعج بوجوه شبابية تدرك ما يحتاجه الشارع ولديها حلول احترافية للجذب وتحقيق الجماهيرية بأقل الإمكانيات .
وتغييب قضية تعيين العاملين المؤقتين عن أولويات الحكومة، وسط مساع جادة من نقابة الصحافيين لتحريك الملف، لكن دوائر ترى أن الصحف القومية تعاني بطالة مقنّعة، وبها محررون أكثر من الحاجة، وأن الأزمة ليست في الأعداد، لكن في كيفية الاستفادة من الكوادر، ما جعل تحركات نقابة الصحافيين لا تحظى باهتمام رسمي .
ويشكو البعض من الصحافيين في المؤسسات القومية من البيئة الروتينية والتعاطي مع الإدارة والتحرير بعقلية تقليدية، بينما نجحت مواقع إخبارية وليدة العهد في تحقيق نجاحات ملموسة، لأنها اعتمدت على الدماء الجديدة واستحدثت طرقا عصرية للنشر والإدارة وتقييم الأداء ما سمح بصناعة جماهيرية سريعة وموارد مالية معقولة .
ويدافع مسؤولون عن مؤسسات صحفية بأن ملف تجديد شباب كل جريدة صعب المنال في ظل أوضاع اقتصادية معقدة، وليس سهلا تحقيق ذلك سوى باقتناع الحكومة أولا بحتمية تعيين عناصر جديدة، لكنها تركز على تفكيك الأزمة المالية بالمزيد من التقشف وجدولة الديون والبحث عن مشروعات استثمارية .
وتضم الإصدارات الصحفية القومية كوادر شبابية قادرة على التغيير، لكنها مكبلة الأيدي ولا تصعد إلى الصف الأول بحجة أن البلاد تواجه تحديات تفرض الاعتماد على شيوخ المهنة وأهل الثقة، دون إدراك لخطورة الاستمرار على نفس النهج وما ترتب عليه من فقدان السلطة أهم وسيط صحفي عقلاني في علاقتها مع الشارع .
أكد حسن علي عميد كلية الإعلام جامعة المدينة بالقاهرة أن مع التطورات المتسارعة في مجال الصحافة، لا مبرر لوجود حجج اقتصادية للتطوير، ومن السهل صناعة محتوى شيق وجذاب ومهني ويحقق أرباحا بأقل تكلفة، وأي محاولة لاختزال مشكلات الصحف في الشق المالي هي هروب من الأزمة، لأن الحلول موجودة والمهم الإرادة .
وأضاف أن المؤسسات الصحفية تعج بكفاءات تستطيع صناعة الفارق في وقت قياسي، ومهم أن يتم فصل الإدارة عن التحرير كبداية لتحديد أساس كل مشكلة على حدة، ويجب التحرك بوضع حلول جذرية قبل أن يتحول الصحافيون إلى موظفين وتتعمق الأزمة، فالأمر بحاجة إلى اختيار كفاءات وتحديد أصل المشكلة والاعتراف بها .