ارهاصات بيئية … مخاطر تصريف مياه الصرف الصحي في الأنهار

 

صادق الازرقي

 

لوحظ طوال العقدين الماضيين أنه يجري لاسيما في العاصمة بغداد تصريف مياه الصرف الصحي، بما في ذلك مخلفات المستشفيات، مباشرة في الأنهار من دون معالجة، ما يشكل تهديدا خطيرا لصحة السكان والبيئة بشكل عام.

وتحتوي مياه الصرف الصحي على مجموعة واسعة من مسببات الأمراض، التي يمكن أن تسبب أوبئة مثل الكوليرا، التيفوئيد، الدوسنتاريا، التهاب الكبد الوبائي، وشلل الأطفال. يمكن أن تنتقل هذه الأمراض إلى البشر عن طريق شرب المياه الملوثة، أو استعمالها في الطهي أو الاستحمام، أو حتى عن طريق استهلاك الأسماك والمحار الملوث.

و تحتوي مياه الصرف الصحي، لاسيما مخلفات المستشفيات والصناعات، على مواد كيميائية سامة ومعادن ثقيلة مثل الرصاص، الزئبق، الكادميوم، والمستحضرات الصيدلانية؛ يمكن أن تتراكم هذه المواد في السلسلة الغذائية وتسبب مشكلات صحية خطيرة على المدى الطويل، بما في ذلك التسمم، وتلف الأعضاء، والسرطان، وتأثيرات على الجهاز العصبي والجهاز التناسلي.

و إذا جرى استعمال مياه الأنهار الملوثة لري المحاصيل، فإن الملوثات ومسببات الأمراض يمكن أن تنتقل إلى الغذاء، مما يعرض المستهلكين للخطر.

و يؤثر تصريف مياه الصرف الصحي بشكل مباشر الى مصادر المياه على جودة مياه الشرب المتاحة من الأنهار، ويؤدي التلوث إلى موت الأسماك والكائنات الحية الأخرى، وتدهور جودة الهواء بسبب تحلل المواد العضوية، وكل ذلك يؤثر بشكل غير مباشر على صحة الإنسان بتقليل التنوع البيولوجي وتدهور جودة البيئة المحيطة.

تتطلب إعادة تأهيل الأنهار وتطهيرها من الملوثات نهجا شاملا ومتعدد الأوجه؛ وتشمل الوسائل الرئيسة، معالجة مخلفات المستشفيات بسبب احتوائها على مواد خطرة ومسببات أمراض عالية، يمكن أن تشمل العمليات، التعقيم الحراري، أو الكيميائي، أو بالأشعة.

و يجب تقليل جريان المياه السطحية من المناطق الزراعية والصناعية والمناطق الحضرية التي تحمل الملوثات (المبيدات الحشرية، الأسمدة، الرواسب). يمكن تحقيق ذلك بوساطة ممارسات الزراعة المستدامة، وبناء مناطق عازلة على ضفاف الأنهار، وإدارة مياه الأمطار في المدن.

وكذلك تشمل الاجراءات الحد من التلوث الصناعي، بفرض لوائح صارمة على تصريف المخلفات الصناعية، وتشجيع الصناعات على تبني تقنيات الإنتاج الأنظف وإعادة تدوير المياه، ومن الاساليب الاخرى استعمال النباتات لامتصاص أو تثبيت أو تحطيم الملوثات في التربة والمياه. يمكن استغلال نباتات معينة لامتصاص المعادن الثقيلة أو تحطيم الملوثات العضوية.

ويجب إزالة الرواسب الملوثة من قاع النهر التي تراكمت فيها الملوثات بمرور الوقت، و توعية السكان بأهمية الحفاظ على نظافة الأنهار ومخاطر التلوث، وتشجيعهم على تبني ممارسات صديقة للبيئة؛ وتطوير وتطبيق قوانين صارمة لحماية البيئة ومكافحة التلوث و تعزيز دور الجهات الرقابية لضمان الامتثال لهذه القوانين وتطبيق العقوبات على المخالفين.

ومن الضروري مراقبة جودة المياه بشكل دوري لتقويم فعالية جهود المعالجة وتحديد المشكلات الجديدة. ونظرا لأن الأنهار غالبا ما تمر عبر عدة دول، فإن التعاون الإقليمي والدولي ضروري لإدارة الموارد المائية وحماية الأنهار من التلوث العابر للحدود.

إن تطوير البنية التحتية للمياه في العراق يتطلب استثمارات كبيرة في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتطبيق صارم للقوانين البيئية، ورفع الوعي العام، وهو أمر حيوي لحماية صحة السكان وتحقيق التنمية المستدامة

 

 

قد يعجبك ايضا