مونودراما 
 غرباء بلا سبب

د. ابراهيم احمد سمو



(يُفتح الستار على شخصية واحدة، واقفة في منتصف المسرح. إنارة خفيفة تسلط على وجهه. صمت… ثم يبدأ بالكلام ببطء، كأنّه يتحدث إلى نفسه)

غريبٌ أمرُ الإنسانِ اليوم…

(يضحك بمرارة)

كل علاقةٍ نشأت بحكم العمل، انتهت بانتهاء العمل…  
هذا ما قاله لي من جمعني به العمل ذات يوم، والذي يمرّ الآن من أمامي كأيّ شخصٍ غريب.  
لا سلام، لا ذكرى، لا حتى إيماءة.
 
وكأننا لم نأكل معًا، ولم نجلس ساعات نخطط ونتعب ونضحك.  
فقط للتذكير، لا للعودة، لأنّ ما كان… قد انتهى.



(يتقدّم خطوة إلى الأمام، يتنهد)

عذرًا… ماذا حلّ بنا؟  
ماذا حلّ بالبلاد؟  
الجار لا يعرف الجار، وكأن كل واحد منّا يعيش في قوقعته، في عالمٍ افتراضي، مغلق بإحكام.

(ينظر إلى اليمين كمن يشير إلى بيت افتراضي)

على يميني، جارٌ محترم، طبيب.  
كل ما بيننا “سلامٌ عابر” إن صادفته مصادفة على الباب أو في الشارع.  
نظرةٌ، كلمة، ثم يذوب كل شيء كأنه لم يكن.

(يتجه بنظره إلى الجهة الأخرى)

وعلى يساري، ضابط برتبة عالية.  
رأيته مرة عند انتقاله إلى الحي.  
تبادلنا السلام مجاملة، ثم… صمتٌ دام سنوات.  
حتى اسمه نسيته، وأحيانًا أرى شقيقه يخرج من البيت، فنكرر ذات السيناريو:  
سلامٌ عابرٌ كأننا لا نسكن في نفس الزقاق!

(يضع يده على قلبه، يتحدث كأنّه يحاور نفسه)

صرنا نعيش غرباء… غرباء في قلب الأحياء!  
القرابة؟ أصبحت اغترابًا.  
نعم… لا نعرف القريب من الغريب إلا إن جمعتنا حاجة أو عمل،  
ثم كلٌّ يعود إلى عزلته، كأننا غرباء مؤقتون.

(يقف لحظة بصمت، ثم يكمل ببطء)

حتى أولئك الذين شاركونا الطريق، العمل، المشاريع، الحلم،  
ظنناهم أصدقاء العمر.  
كنا نعتقد أن العلاقة معهم ستبقى…  
لكنّهم غادرونا بمجرد أن انتهى العمل.

 
قالها أحدهم: “بعد العمل، سنفترق.”  
ضحكتُ حينها، لم أصدّقه.  
لكنه كان على حق.

(يرفع صوته قليلاً)

يمرّ من أمامي اليوم… لا سلام، لا تذكار، لا اعتراف حتى.  
وكأننا لم نكن شيئًا في حياة بعضنا البعض.  
ومع ذلك… هو حر.  
لا ألومه.

(يتجه إلى يمين المسرح، يجلس على كرسي خشبي)



لم أكن أبحث عن النجدة، لا.  
كنت أبحث عن الصداقة…  
عن شيء اسمه “الودّ الإنساني”،  
ذلك الذي كنا نعرفه في طفولتنا.  
حين كنا نذهب إلى المدرسة، نتعرف على صديق،  
يصير كالأخ، لا تفرّقنا الأيام.

(ينهض مجددًا ويتجول كمن يتذكّر)

جئنا إلى المدينة، وقلنا:  
”سنكسب صداقات كثيرة، سننفتح على عوالم جديدة.”  
لكن الحقيقة؟  
لم نكسب أحدًا.  
كل من دخل في دوائرنا… خرج منها بصمت.

كل علاقة نشأت بحكم العمل… انتهت بانتهائه.  
وكل ودٍّ وُلد بحكم المكان… مات حين غيّرنا العنوان.

(يقف في منتصف المسرح، ينظر إلى الجمهور مباشرة)



الغريب؟  
أن الصديق الحقيقي بقي ذاك الذي يسكن في الجوار،  
منذ زمنٍ طويل، قبل كل هذه الحياة المعقدة،  
بقي رغم بساطة العلاقة، رغم محدودية اللقاءات،  
لكنّه بقي.

(يتنهد بعمق)

عذرًا… الدنيا تغيّرت.  
صرنا بعيدين، لا أنا وحدي، بل الجميع.  
الجيل الجديد لا نعرفه، وهم لا يعرفوننا.  
وإن سألنا أحدٌ عن الجار الأول أو الثاني في الزقاق…  
بالكاد نعرف اسمه، أو شكل بابه.  
لا تعارف، لا تقارب، لا حتى جلسة شاي مشتركة.



(يسير ببطء إلى الخلف)

كل شيء تغيّر.  
الروح الجماعية اختفت.  
الجار صار رقمًا.  
الصديق صار ذكرى.  
والقريب؟ ربما صار أبعد من الغريب.

(يركّز نظره على نقطة واحدة، كأنّه يرى ماضيه)

نشتاق…  
نشتاق إلى ماضٍ لم يكن مثاليًا، لكنه كان دافئًا.  
نشتاق إلى وجوهٍ تبتسم من القلب، لا من باب المجاملة.  
نشتاق أن نفتح باب البيت،  
فنجد من يسأل عنّا، لا من يدير وجهه وكأنّه لا يعرفنا.

(صمت)

لقد فقدنا الكثير، دون أن نشعر.  
لكن الأكيد…  
أننا لم نعد كما كنّا.

(تنطفئ الإضاءة تدريجيًا)

نهاية.

قد يعجبك ايضا