رانية مرجية
في إحدى الزوايا البعيدة من الذاكرة، حيث تلتقي الصور الضبابية بالأصوات المفقودة، كانت هنالك صورة لأمها، كما لو كانت تلك الصورة أحد الأطياف التي ظهرت في لحظة ضبابية من الليل. لم تكن تلك الصورة واضحة تمامًا، لكنها كانت تشع بلمسة من الحنان، شعاعًا من الأمان. لطالما اعتقدت أن فقدان الأم هو مجرد غياب جسدي، ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أن الفقد ليس فقط في الجسد، بل في الروح أيضًا، في الهمسات التي تغني بها أمي في ذهني، وفي عيونها التي كانت تعرف كل شيء دون أن تنطق بكلمة.
1. الهدم الأول:
ذات يوم، في لحظة كانت غير قابلة للتصور، رحلت أمي. كانت الساعة حينها تشير إلى السادسة مساءً. تلك الساعة التي كانت دائمًا موعد عودتها من العمل، موعد لحظة الحياة التي تبدأ عندما تلقي بكل التعب في الزاوية وتبادرني بابتسامة، تملؤني بالأمل، تهمس لي بأنها ستكون دائمًا هنا. لكن تلك المرة، كانت الصمت هو الجواب الوحيد.
كنت في الزمان الذي يُفترض أن أكون فيه طفلة، وفي المكان الذي كان من المفترض أن تجد فيه أمي السكينة. لكن الفقد كان قد وصل، وكأنه طوفان اجتاح كل شيء. لم أكن أستطيع أن أستوعب أن هناك عالمًا ستغيب عنه، وأن تفاصيلها التي كانت تتناثر حولي ستتحول إلى لا شيء.
2. الفقد العاطفي:
مرت الأيام وكأنها تيارات مائية جرفتها الحيرة. في البداية، كانت لحظات الفقد تتناثر في تفاصيل الحياة اليومية. في ملامح الوجوه، في نظرات الأشخاص الذين يمرون بي دون أن يلاحظوا الغياب. في بيوت الأصدقاء، حيث كنت أبحث عن لمسة من حنان يشبه لمسة يديها. لكن كل شيء كان يعيدني إلى السؤال المؤلم: أين هي الآن؟ كيف يمكن للروح أن تغادر هذا المكان؟
في خلوات الليل، كنت أسمع صوتًا في أعماقي يهمس لي: “لا تقلقي، فأنا هنا”. لكن ذلك الصوت كان غريبًا، متناقضًا. كان أشبه بالصدى الذي يرفض أن يتناغم مع واقع الفقد. وكلما ابتعدت عن تلك الهمسات، كان الألم يزداد عمقًا.
3. العزلة الداخلية:
لم أكن وحدي في تلك الأيام، كان لدي أصدقاء وأقارب، لكنني شعرت بالعزلة. لا أحد يمكنه أن يشعر بما أشعر به، ولا أحد يعرف ما يترتب على فقدان الأم من تشتت نفسي وروحي. كنت أبحث في حديثهم عن شيء يمكنه أن يملأ الفراغ الذي تركته أمي، لكن لا شيء يمكن أن يفي بذلك. كلامهم كان يأتي، ولكن لا يتجاوز أفق الأذن. كانوا يحبونني، كانوا يرغبون في مساعدتي، لكن الفجوة كانت أعمق مما يمكن أن يسده أي شخص آخر.
4. التنقل بين العوالم:
ثم حدث شيء غير متوقع. في لحظة تأمل، بينما كنت أتمشى في الحديقة التي كانت أمي تحبها، شعرت بشيء غريب. كأن الزمن توقف، وكأنني في مكانٍ ما بين الماضي والحاضر. نظرت إلى الأشجار، وتذكرت كيف كانت أمي تهمس لي بأسمائها، وكيف كانت تشرح لي تفاصيل كل زهرة، وكل ورقة، وكأنها كانت تحمل في داخلها كل حكمة هذا الكون. فجأة، شعرت بشيء غريب في قلبي، كما لو أن جزءًا من روحها لا يزال هناك. كان الصوت في داخلي يهمس: “أنا لست غائبة، أنا هنا في كل لحظة، في كل نفس تأخذينه، في كل فكرة تخطر ببالك”.
5. العودة إلى الذات:
بدأت أستعيد قوتي تدريجيًا. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنني تعلمت شيئًا عميقًا: الفقد ليس نهاية، بل هو بداية جديدة لفهم الحياة بمعنى أعمق. لقد أدركت أن أمي كانت قد زرعت في روحي شجاعة أكبر من كل خسارة، حبًا أكبر من كل غياب. لم تعد هي تلك السيدة التي تنتظرني في البيت، بل أصبحت الحاضر الذي لا يغيب. أصبحت في داخلي، في كل لحظة من حياتي، في كل قرار أتخذه، في كل تحدي أواجهه.
الفقد علمني أن الحب لا يموت، بل يتحول إلى شكل آخر. علمتني أمي، حتى في غيابها، أن القوة تأتي من الروح، وأن الذاكرة ليست عبئًا، بل هي هدية.
6. الختام:
اليوم، أعود إلى تلك الصورة القديمة التي تتداخل فيها أطياف أمي. أشعر بحضورها في قلبي أكثر من أي وقت مضى. أمي، التي لم تفارقني، رغم غيابها الجسدي. هي هنا، في كل لحظة، في كل نفَس، في كل فكر، وفي كل خطوة أخطوها نحو المستقبل.
والآن، عندما يغمض الناس أعينهم في وجوههم، أجد أن الفقد ليس غيابًا. إنه حضور آخر، أعمق وأرقى. حضور يتسلل إلى الروح، لا ليتركنا فقراء، بل ليجعلنا أغنياء بحبهم، وبذكراهم التي لن تموت أبدًا.
تحت الأنقاض، هناك دائمًا شيء يبقى حيًا، ذلك هو الحب.