دور النقابات في حماية حقوق الموظف وحرياته
د. قاسم السيد
شهدت الحرية النقابية العديد من التطورات الإيجابية بعد ان كانت تعد من المحظورات على الموظف العام بحجة مخالفتها للواجبات الوظيفية ولسلسة التنظيم الإداري المرفقي، كما ان الدول الرأسمالية أو التي تؤمن بالاقتصاد الحر عارضت ولفترات طويلة التنظيمات النقابية والمهنية خشية التأثير على مالكي رؤوس الأموال بمنح الموظفين والعمال بعض الحقوق التي من الممكن ان تؤثر إلى سير العمل في المشاريع، وهنالك ثقافة سادت تتمثل بالخضوع المطلق لرب العمل أو المسؤول الإداري الأعلى .
لكن الأمر قد تغير بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتعشت الحريات النقابية لاسيما بعد ان صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10/كانون الأول 1948، إذ ورد في المادة الثالثة والعشرين منه “لكل شخص الحق في ان ينشأ أو ان ينظم إلى نقابات حماية لمصلحته”، وللتذكير فإن النقابات تعد بحسب اجتهاد القضاء الإداري الفرنسي شخصاً من أشخاص القانون العام وتدعى المرافق المهنية بعد صدور حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضيتي مونبرت 1942 وحكم بوكين 1943.
وهي بحسب اجتهاد محكمة التمييز العراقية منظمة غير حكومية فقد ورد في حكمها المرقم (96) في 30/8/2006 ما نصه “وحيث ان السلطة التنفيذية ممنوعة بموجب الدستور والقانون من التدخل في أعمال مؤسسات المجتمع المدني ومنها نقابة المحامين ولا يسوغ إصدار أي أمر أو اتخاذ أي إجراء إلا إذا كان متفقاً وأحكام الدستور والقانون”، كما انتهى اجتهاد مجلس الدولة العراقي بقراره المرقم (92) في 26/8/2014 إلى أنه “وحيث ان المادة(1) من قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010 .
عرفت المنظمة غير الحكومية بأنها مجموعة من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية سجلت واكتسبت الشخصية المعنوية… وحيث ان تأسيس النقابات يتم استناداً لهذا القانون بعد نفاذه في 9/3/2010….. فلا مانع في الجمع بين رئاسة النقابة والوظيفة العامة” وما تقدم يكشف ان الاجتهاد يميل إلى تكييف النقابات بأنها منظمات مجتمع مدني ولا نتفق مع الرأي المتقدم فلو ترك الأمر للموظفين بتأسيس النقابات وفق قانون المنظمات غير الحكومية فإنها وبحق ستكون منظمة غير حكومية، أما وهي الآن تؤسس بقانون خاص وتعد أموالها أموال عامة، ومن يعملون فيها يملكون وسائل القانون العام ومنها السلطة الانضباطية على الأعضاء، كما ان الانتماء إليها إجباري لممارسة مهنة معينة كالطب أو الصيدلة أو المحاماة، فلا شك إنها شخص من أشخاص القانون العام وليست منظمة غير حكومية كون الأخيرة الانتماء إليها تطوعي .
ولعل ثمة من يتساءل عن أهمية العمل النقابي للموظف؟ فالجواب ان هذه الحرية لها عظيم الأهمية للتنظيم صفوف الموظفين والعاملين لدى الحكومة لضمان حقوقهم الجماعية والفردية قبال تعسف الإدارة أو شططها فالسلطات الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس الإداري قد تكون مدعاة للتعسف واستخدامها بحق الموظف بشكل لا يتفق مع تحقيق المصلحة العامة الأمر الذي ينعكس سلباً على سير المرافق العامة في الدولة ويلقي بظلاله على الموظف الذي يعد وبحق الأداة الرئيسة التي تتكأ عليها الدولة لتقوم بالمهام والواجبات المنوطة بها في حفظ الأمن والنظام وإقامة العدل في المجتمع والتصدي لإشباع الحاجات العامة .
وما يهمنا في ميدان دراسة الحرية النقابية ان نتعرض لبعض الضمانات التي من شأنها ان تتكفل بتحقيق الفاعلية للنقابات لتتصدى لدورها المنشود وتمنع من مصادرة حقوق الموظف العام من قبل السلطات الحكومية ذات الصلة، فهنالك الضمانات العامة وهي الوسائل القانونية الضامنة لعمل النقابة ذاتها وتتمثل في ضمانة حق التكوين بمعنى ان تتاح الفرصة كاملة للموظفين أو لفئات من الموظفين بتكوين النقابات دون وضع شروط تعسفية من شأنها ان تصادر أصل الحرية وتفرغها من محتواها، فان كان ولا بد من وجود ترخيص لممارسة الحرية النقابية فينبغي ان لا تسعى السلطات العامة إلى عرقلة الاعتراف التشريعي أو التنظيمي بالنقابات المهنية لكونها البوابة الطبيعية لمباشرة حقوق دستورية مهمة، لذا أشار الدستور العراقي للعام 2005 في المادة الثانية والعشرون منه إلى “تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية والانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون” وعطفاً على النص المتقدم نرى أنه كفل الحق بتأسيس النقابات المهنية والاتحادات وأناط بالمشرع تنظيم هذه الحرية .
بيد ان الإشكالية المركزية التي تعترض الحق النقابي ان المشرع العراقي لم يبادر إلى إصدار قانون ينظم حرية تأسيس النقابات لشرائح الموظفين إنما هنالك قانون خاص بالعمال ينظم حقهم في تأسيس النقابات العمالية وهو قانون “التنظيم النقابي للعمال” رقم (52) لسنة 1987 والذي ينص في مادته التاسعة بأن “النقابة: منظمة عمالية حرة يكفلها النظام الاجتماعي للدولة ولها شخصية معنوية وتتمتع باستقلال مالي وإداري لتحقيق أغراضها، ويمثلها رئيس النقابة” وأضافت المادة العاشرة انه “أولاً: النقابة هي الممثل القانوني للعمال المنتسبين إليها في كل علاقة عمل بين هؤلاء وأصحاب العمل أو بسبب النزاع على تطبيق القانون…” وبينت المادة الثانية عشر حرية العمال بتأسيس لجان نقابية وان من حق ويمكن للجنتين نقابيتين تأسيس نقابة خاصة بهم، بيد ان هذا القانون لا ينطبق على الموظفين العاملين لدى الحكومة وهم الشريحة الأكبر بل قد ينطبق على فئة وهم (الأجراء والمتعاقدين ومنهم من تم توظيفه وفق قرار مجلس الوزراء العراقي رقم 315 لسنة 2019 وتوابعه) لذا عمد المشرع العراقي قبل العام 2005 وبعده إلى إصدار سلسلة من القوانين تؤسس لنقابات محددة