د. ابراهيم احمد سمو
(إضاءة خافتة على الخشبة، ستارة نصف مغلقة. صمت ثقيل، يقطعه فقط صوت دقات ساعة معلّقة على جدار داخلي من جدران الروح.)
لم يكن ممثلًا عاديًا، بل كان رجلاً تدرّب طويلاً على الصمت… وتدرب أكثر على الانتظار.
جلس خلف الستار، يراجع ما ليس في النص، يستعد ليقول ما لم يُكتب.
كل شيء بدا جاهزًا: الأضواء، المقاعد، الحضور، وحتى التنهيدات التي تأتي قبل بدء العرض.
لكنّ شيئًا ناقصًا…
لم تكن في مكانها.
رفع الستار.
وقف في منتصف الخشبة، يتنفس بتثاقل، كأن الهواء صار طينًا.
نظر يمينًا… ثم يسارًا… قلب العيون بحثًا عنها.
لم يجدها.
كان العرض الأول، وكان القلب في أول امتحاناته العاطفية أمام الجمهور.
هو لم يكن يجسّد شخصية من الورق، بل كان يعيد تركيب نفسه على الخشبة.
الدور الذي يؤديه كان دور رجل أخّرته الحياة، وسبقته الأحلام.
رجل ظل ينتظر إشارة ليؤدي وظيفته بسلام، لكن الأبواب بقيت مغلقة، والنوافذ لا تُفتح إلا على صدى الغياب.
(يتقدّم نحو الجمهور، يحاول رسم ابتسامة هشة، لا تصمد أمام الجفاف في العيون.)
بدأ بالكلمات، شكر الحاضرين، وهنّأهم على تذاكرهم التي انتزعوها من مكاتب الانتظار.
قال بصوت مرتجف:
“سَمِعْتُمُ المقدّمة… والآن، فلندخل في الموضوع…”
لكن أين هو “الموضوع” حين تكون الروح خارجه؟
كان الحضور مكتملًا، نعم…
لكن القاعة كانت ناقصة.
ناقصة بتلك النظرة التي كانت ستربت على صمته، وتمنحه شرعية البوح.
توقّف للحظة.
ثم قال:
“أعذروني، قد أطلب منكم أن نعيد المسرحية من بدايتها… لا لأننا أخطأنا، بل لأن الزمن لم يكن عادلًا معنا.”
في قلبه انكسار لا يُرى، وأمل لا يُقال.
كان يعلم أن الجمهور لا ذنب له، لكنهم جزء من الفراغ.
قال، وكأنه يخاطبهم من وراء حجاب:
“الناس يا ناس… لا بدّ أن يتفقوا.
لكن الاتفاق يحتاج توقيعًا، وصاحب التوقيع… غائب.”
ضحك أحدهم في الصف الأخير.
كأنّه سخر من الموقف أو من العبارة، أو من فكرة الانتظار ذاتها.
لكنّه تجاهله.
لم يكن في حاجة إلى تصفيق، بل إلى حضور واحد فقط.
كل همه من العرض أن يجد جوابًا، أن يلتقي بذلك الغائب، أن يُقال ما يجب أن يُقال منذ زمن بعيد.
وفجأة…
(صوت طرق خافت على الباب الخلفي للقاعة.)
ثم نور صغير يتسلّل من الخارج إلى قلب الظلام المسرحي.
الأنوار تسطع فجأة…
الستار يُسدل للحظة… ثم يُفتح من جديد…
(يظهر هو من جديد، بنفس الملابس، لكن مفعم بالحيوية، كما لو أن روحه عادت إليه.)
تغيّر صوته.
تغيّر وجهه.
تغيّر كل شيء.
قال، بصدق لا تقدر عليه الكلمات:
“أكيد عندكم سؤال…
ما الذي غيّر هذا الممثل؟
ما الذي جعله يبتسم فجأة؟
الحقيقة… أنني الممثل الذي أطال الكلام… وما قلته قبل قليل لم يكن من النص.
كان ارتجالاً من قلبي…
كنت أنتظر ‘المقصود’ ليحضر.”
(هنا يلتفت إلى باب القاعة… حيث دخل المتأخر. جلس بهدوء. لم يصفق. لم يعتذر. فقط نظر إليه.)
نظر الممثل في عينيه، وقال للجمهور بصوت متهدّج:
“لقد حضر الآن… الغائب الذي شغلتني غيبته.
والآن… علينا أن نكمل.”
لكن المسرحية تغيّرت.
لم يعد النص هو النص.
فالحياة تدخل النصوص حين يتأخر شخص واحد فقط عن موعده مع الوجود.
اقترب من حافة المسرح.
قال له من هناك، من العلو:
“هل جئت لتشاهد فقط؟
أم لتُكمل معي هذا الدور؟
أنا تعبت…
إن أردت، تفضل إلى هنا، إلى المسرح… خذ مكاني…
أو… اسمح لي بالنزول.”
(صمت طويل…)
(المتفرج المتأخر ينهض من مكانه. يتقدم ببطء نحو الخشبة. الجمهور ينقسم بين الدهشة والاحترام.)
صوت داخلي ينفجر في عقل الممثل:
“إن صعد، اكتملت المسرحية.
وإن بقي مكانه، سأغادر.”
(لحظة صمت قبل القرار النهائي…)
إما أن يصعد الآخر ويبدأ التمثيل…
أو ينزل هو ويكمل الصمت.
(إظلام تام…)
(صوت خطوات… لم يُعرف مصدرها بعد.)
النهاية مفتوحة……
يحقّ للمخرج أن يختار كيف يُنهي النهاية المفتوحة، ويقرّر المسار الذي يريد أن تسلكه