البارزاني المرجع والملجأ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سعد الهموندي

البارزاني المرجع والملجأ هو عنوان كتاب بقلم الدكتور سعد الهموندي مستشار الرئيس مسعود بارزاني و رئيس مؤسسة رؤى للتوثيق والدراسات الأستراتيجية والمستقبلية، الذي يتضمن محطات مهمة من شخصية الرئيس مسعود بارزاني ومواقفه وبعض الأحداث، التي جعلت منه مرجعًا سياسيًا يستشار ويأخذ بتوجيهاته ونصائحه عند حدوث الأزمات والأنسدادات السياسية ، وملجأ لجميع العراقيين اثناء المحن والظروف الصعبة، لذلك نسعى من خلال نشر اجزاء الكتاب ان نلقي الضوء على خصوصياته الأخلاقية ومواقفه ازاء خصومه و صبره وحنكته وذكائه في التعامل مع المواقف الصعبة التي واجهته سواء اثناء ايام الكفاح المسلح او عند النزول من الجبل لينشأ اقليمًا عامرًا زاهرًا ليصبح رقمًا صعبًا في المعادلات السياسية والتوازنات في العراق والمنطقة.

 

الحلقة الثامنة والعشرون والأخيرة

 

من هنا نرى أن سياسة أربيل ورغم الثقل السياسي الموكل إليها إلا أنها سعت إلى القيام بإصلاحات جذرية في بنيتها الاقتصادية وإصدار القوانين التي تشجع على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

الناحية الثانية التي عملت عليها السياسة الكُردية هي استراتيجية الجذب السياحي السياسي، بمعنى أربيل المأوى السياسي للكثير من السياسيين وخلق استثمارات اقتصادية واجتماعية وثقافية لهم، وهذا الأمر يعتبر نتيجة فعلية لما حظي به إقليم كُردستان من استقرار سياسي وأمني منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد عمل مسعود البارزاني على إصدار القوانين والتشريعات وإزالة المعوقات التي تعترض عملية توفير مناخ جاذب أمام الحركات السياسية المنوعة والمختلفة في الشرق، كذلك فسحت المجال أمام توظيف الأموال الوطنية والأجنبية في مختلف القطاعات، مما أدى إلى زيادة الاقبال على الاستثمارات ضمن هذه المنطقة الحيوية سياسيًا، فجعل من أربيل محط أنظار الكثير من الدول، ضمن سياسة التعاون والتبادل على أنها عاصمة السلام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط.

 

فكُردستان تعرف حق المعرفة أن وجود أو ظهور التغيير في منطقة الشرق الأوسط يكمن في الحوار الجاد والمسؤول وتذليل المصاعب والعقبات التي تعترض طريق أي دولة، فالحوار ليس اختيارًا فحسب بل هو ضرورة لا غنى عنها للتفاهم وصولًا إلى التعاون لما فيه مصلحة جميع الأطراف، خصوصًا حين يتم حلّ الإشكالات والمشكلات بروح إيجابية وسلمية، أو من خلال وساطة البلاد الحيادية والسلمية سياسيًا، فالابتعاد عن الحوار سيؤدي بالضرورة إلى التباعد والإحتراب، بما يمكن أن يؤثر سلبًا أو إيجابًا على العلاقة التاريخية التي تربط شعوب المنطقة.

 

فشعوب المنطقة جميعها تتطلّع إلى تحقيق مصيرها في تنمية مستدامة قوامها التحرّر والحرّية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ولن يتحقق ذلك دون علاقات سليمة أساسها الأخوة وحسن الجوار والمنافع المتبادلة والمصالح المشتركة، ولا ننسى أن أغلب دول الشرق قد عانت من التقسيم الذي استهدف تفتيتها وتوزيعها على دول مفتتة وخاصة الدول العربية، ووضع حواجز أمام اتحادها ووحدتها، فإن الأمة الكردية، هي الأخرى تعرّضت للتجزئة، وكلا الأمّتين العربية والكردية، تعرضتا إلى مؤامرة سرّية نفذتها الدول الإمبريالية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تم توقيع اتفاقية سايكس- بيكو من وراء ظهر الأمتّين، عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، وكانت في البداية قد انضمت إليها روسيا، لكنها أعلنت خروجها منها، معلنة رفضها الاتفاقيات السرّية بعد الثورة البلشفية عام 1917.

 

“إن اللجوء إلى العنف والوسائل العسكرية والحربية والمسلحة في الشرق لإيجاد حلول للمشاكل التي تتفاقم داخليًا فشلت جميعها، سواء من جانب الحكومات التي حاولت القضاء على الثورات الشعبية، أم من جانب الحركات الشعبية التي هي الأخرى لجأت إلى السلاح والعنف كما حدث في اليمن وسوريا والعراق، إلا أن السياسة الكُردية وجدت أن العنف والوسائل العسكرية لم توصل جميع الأطراف لنيل غاياتها بقدر ما ساهمت في تعقيد المواقف، خصوصًا وأن تداخلات القوى الخارجية كانت لها بالمرصاد، فوجدت في الاقتتال الداخلي مناسبة لإضعاف هذه الدول واستغلال الصراع الأهلي بما يحرفه عن وجهته الأساسية”

 

وكانت تلك الاتفاقية التفافًا على الوعود التي أطلقتها الحلفاء حين اندلعت ثورة الشريف حسين عام 1916، بمنح العرب الاستقلال وتأسيس دولة عربية موحّدة، مثلما كانت اتفاقية لوزان عام 1923، قد سوّقت اتفاقية سيفر عام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد.

وإذا كان حق تقرير المصير كمبدأ قانوني وسياسي معترفًا به من جانب ميثاق الأمم المتحدة وتقرّ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإنه يبقى هدفًا للأمتين العريقتين، ويعتمد تطبيقه في كل بلد على علاقة الأطراف والقوى السياسية ودرجة التفاهم والتعاون فيما بينها وصولًا لتحقيق الأهداف المشتركة، بل والمصائر المشتركة، مع الأخذ بنظر الاعتبار التحدّيات والمخاطر التي تواجه منطقة الشرق.

وأستطيع القول إن اللجوء إلى العنف والوسائل العسكرية والحربية والمسلحة في الشرق لإيجاد حلول للمشاكل التي تتفاقم داخليًا فشلت جميعها، سواء من جانب الحكومات التي حاولت القضاء على الثورات الشعبية، أم من جانب الحركات الشعبية التي هي الأخرى لجأت إلى السلاح والعنف كما حدث في اليمن وسوريا والعراق، حتى وإن كان الأمر اضطرارًا، وهو ما تحاول بعض الأطراف الإقليمية والدولية دفعها إليه بزعم أنه الطريق الأقصر لنيل التوازن، إلا أن السياسة الكُردية وجدت أن العنف والوسائل العسكرية لم توصل جميع الأطراف لنيل غاياتها بقدر ما ساهمت في تعقيد المواقف، خصوصًا وأن تداخلات القوى الخارجية كانت لها بالمرصاد، فوجدت في الاقتتال الداخلي مناسبة لإضعاف هذه الدول واستغلال الصراع الأهلي بما يحرفه عن وجهته الأساسية.

فأربيل اليوم تعمل كوجهة سياسية للشرق من خلال بناء حوار معرفي وثقافي وفكري على جميع المستويات بحيث يمكن أن يبلور رؤية جديدة تنطلق من الصراحة والمكاشفة والنقد والنقد الذاتي، خصوصًا بقبول الآخر والاعتراف بحقوقه بما فيها الحق في الاختلاف.

فأربيل اليوم ماتزال تعمل على فتح قناة مستديمة للتواصل بحيث يكون مثل هذا الحوار مجسًا من مجسّات العلاقة ويمكن توسيعه وتطويره للتعرف الفعلي والمباشر، من أجل تقوية لحمة العلاقة وتعزيز التفاعل، مع الإسهام في إيجاد الحلول السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية للمشكلات القائمة، بل إيجاد فرص جديدة لبحث مستجدّات في هذه العلاقة التي لا يمكن إلا أن تكون متكافئة وعلى أساس الاحترام المتبادل للخصوصيات في إطار الهوّية العامة الجامعة لعراق موحد وذو سيادة ويتّجه صوب التنمية الحقيقية.

 

ولعلّ من واجب الدول في الشرق الأوسط عامة والدول العربية خاصة، أن تعترف بالصدارة السياسية لأربيل، وكيف أن كُردستان العراق اليوم أصبحت تمثل وجهة سياسية وعاصمة لحل الخلافات السياسية، وبلد له استراتيجية خاصة في جمع أقطاب العالم المتصارع، فهي بلد يرعى الهوّيات القومية والسياسية بالقدر الكافي بما يمثّله من طاقة وحيوية وحق مشروع وعادل في صناعة انسجام مع المصالح المشتركة لهذه الدول.

فاليوم وبشكل خاص ترى أن العلاقة بين دول الشرق وكُردستان تنمو وتتطور ولابدّ لها من تجاوز بعض الإشكالات القائمة، ولكي تستمر العلاقة وتأحذ مسارًا صحيحًا ينبغي أن تقوم على أساس التكامل والتفاعل والتواصل والترابط، وليس الترابح والهيمنة والانفكاك والتفلّت، لأن ذلك سيلحق ضررًا بأي دولة لا تراعي المحتوى الأساسي لمضمون العلاقة مع السياسة الكُردية ومستقبلها.

 

فأربيل اليوم ماتزال تعمل على فتح قناة مستديمة للتواصل بحيث يكون مثل هذا الحوار مجسًا من مجسّات العلاقة ويمكن توسيعه وتطويره للتعرف الفعلي والمباشر، من أجل تقوية لحمة العلاقة وتعزيز التفاعل، مع الإسهام في إيجاد الحلول السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية للمشكلات القائمة، بل إيجاد فرص جديدة لبحث مستجدّات في هذه العلاقة التي لا يمكن إلا أن تكون متكافئة وعلى أساس الاحترام المتبادل للخصوصيات في إطار الهوّية العامة الجامعة لعراق موحد وذو سيادة ويتّجه صوب التنمية الحقيقية.

 

ولابدّ من إدراك حقيقة أن أي احتراب بين دول الشرق سينعكس على الوضع الإقليمي في المنطقة، وهذا ما تدل عليه التجارب التاريخية والسياسية في المنطقة.

وإذا كان الحوار الذي تطلقه أربيل (فرض عين وليس فرض كفاية) كما يُقال بين الجهات والجماعات السياسية المشاركة في بعض الدول، فإنه اليوم وبعد تجارب عديدة يصبح أكثر راهنية ويمكن للمجتمع المدني أن يكون شريكًا فاعلًا فيه ومكمّلًا في اتخاذ القرار.

مسعود البارزاني الملجأ والمرجع:

مواقف هذا الرجل لا تنتهي، فمواقفه تجدد نفسها بنفسها عند كل جلل أو كبير يعصف في منطقة الشرق الأوسط، ففي هذا الرجل نجد الصرامة، والعزّ، والثقافة، والسمو.

مسعود البارزاني، الرجل السياسي الذي وصل بإنسانيته أولًا وأخلاقه ثانيًا وسياسته ثالثًا إلى مرتبة رمزية حساسة ونادرة في قلوب معظم الشعوب الشرق أوسطية، زعيم ابن المناضل الملا مصطفى البارزاني.

أطلق الكثير من عمليات السلام في الشرق وبصور غير مباشرة، فوصل إلى مكانة سياسية عالية وكبيرة.

استطاع هزيمة أقوى وأكبر التنظيمات الإرهابية المسلحة في العالم، فاتحًا بلاده، كملجأ ومعبر إنساني،  فاستطاع حماية آلاف الأسر والعوائل العراقية.

أمسك بكُردستان بثقافة ووعي وتوزان فجعلها ملاذًا للجميع، ووساطة سياسية ومركزًا ثقافيًا للكثير من الاقطاب المتصارعة في هذا العالم.

لقد أجاد السيد مسعود البارزاني دوره الذي قام به في كل تلك السنوات، ومنح للكثير الفرص الكبيرة، فصنع جيلًا من السياسيين المثقفين مرممًا الكثير من ثقوب الصراعات الشرق أوسطية.

اليوم مسعود البارزاني حاكم عادل فريد ونادر في نوعه، إنسان مُنح المكانة الكبيرة والرفعة، والتي اعترفت به الكثير من دول العالم المتقدم والمتحضر.

واليوم بوجود هذا القائد، ووجود جيشه الإنساني، ووجود هذا الوزن والقوة التي تتمتع بها أربيل، لن تجد الشعوب أو الحكومات نفسها وحيدة في صحراء الحروب الدموية، بل سيكون أمامهم مرجعًا وملجأ، له من الأثر ما للمصلحين وللأنبياء من مكانة عظيمة في قلوب شعوبهم ومحبينهم ومتبعينهم.

 

عزيزي القارئ الكريم

كان هذا الجزء الثامن والعشرون والأخير من كتاب (البارزاني المرجع والملجأ) للكاتب الدكتور سعد الهموندي، الذي تناول دور السيد مسعود بارزاني في الحركة التحررية الكوردستانية والنضال من خلال المعارضة العراقية لخلاص العراق من النظام الدكتاتوري،فضلا عن دوره الفاعل والمهم في العملية السياسية في العراق بعد اسقاط نظام البعث، وبالأخص في عملية كتابة الدستور، وحرصه على ضمان حقوق جميع المكونات العراقية في الدستور، وبناء دولة فدرالية اتحادية تحتضن جميع ابنائها بناءا على تكافؤ الفرص، والشراكة الحقيقية في صنع القرار، وتوفير حياة حرة كريمة للجميع على اساس حقوق المواطنة.

 

قد يعجبك ايضا