بغداد – متابعة التآخي
تحولت أيام الامتحانات الوزارية “البكالوريا” إلى مصدر قلق وغضب بين طلبة السادس الإعدادي، بعدما واجهوا أسئلة اعتبروها “مضللة” و” خارجة عن المألوف” من حيث الصعوبة، وفيما شكك البعض بنية مبطنة لدفع الطلبة إلى الكليات الأهلية، رد متحدث التربية بأن جميع الاختبارات كانت “منهجية”، لكن الطلبة اعتمدوا على “الملازم”، بحسب قوله.
وضجّت الأوساط التربوية في العراق بردود فعل غاضبة إزاء أسئلة مادة الكيمياء، التي خضع لها طلبة السادس الإعدادي، وسط تأكيدات من طلاب ومدرّسين بأن الأسئلة جاءت مطولة ومعقدة وتحتاج وقتا وتركيزا يفوق ما هو متاح داخل القاعة..
كما تساءل عدد من الطلبة عمّا إذا كانت هناك نية مبيته لتخفيض المعدلات العامة، بهدف تقليل الزخم على الكليات ذات المعدلات العالية، ككليات الطب والهندسة وغيرها، واعتبر بعضهم أن طبيعة الأسئلة، خصوصا في المواد العلمية، توحي بمحاولة غير معلنة لإعادة توزيع الطلبة على التخصصات، ودفع أعداد أكبر نحو الكليات الأهلية أو الأقسام ذات الإقبال المحدود، ما يثير الشكوك حول عدالة السياسات التعليمية المتبعة.
أم محمد (52 عاما)، وهي مدرسة عدت “ما حدث ليس مجرد صعوبة معتادة، بل تجاوز خطير يعكس استخفافا بمصير جيل كامل، إذ لم تكن الأسئلة معقدة فقط، بل وضعت بطريقة توحي بوجود نية لإرباك الطلبة، من خلال الالتفافات اللغوية والمفردات الغامضة، وطول المسائل التي تستنزف الوقت والجهد”.
بدورها، تتهم الطالبة سندس يحيى (18 عاما)، وزارة التربية بـ” التقاعس والتخبط في إدارة الامتحانات”، وقالت “ إذا كان الهدف هو رفع مستوى التعليم، فليبدوا من إصلاح المناهج وتطوير طرق التدريس، وليس من التضييق على الطلبة بأسئلة فوق طاقتهم”
في الأثناء، تقول هند مجيد (37 عاما) وهي أم لطالب خاض الامتحانات إن “ما جرى في امتحان مادتي الرياضيات والكيمياء يعد مهزلة بكل المقاييس، فاللجنة التي وضعت الأسئلة، تعمدت إيهام الطالب وتخطئته في عدد من الأسئلة”.
وتردف مجيد “اضطر ابني لتأجيل مادة الكيمياء إلى الدور الثاني، ظنا منه أنه نسي جواب أحد الأسئلة، أو لا يعرف كيف يجيب، ولكن بعد الامتحان تبين أن السؤال كان ناقصا، بمعنى أن اللجنة أخطأت في وضعه، وهكذا الحال في مادة الرياضيات كان أحد الأسئلة خاطئا
وتداول آلاف الطلبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع ومنشورات يعبرون فيها عن استيائهم من طبيعة الأسئلة، متسائلين عن دوافع هذا “التعقيد المفاجئ” في بعض المواد، إذ عبّر عدد منهم عن شعور بالإحباط والخذلان، مؤكدين أنهم واجهوا أسئلة غير مألوفة، تحتاج إلى وقت طويل وتركيز عالٍ، رغم التزامها بالمنهج المقرر.
وفي هذا الصدد، تؤكد عضو لجنة التربية النيابية، زيتون الدليمي ، أن “أسئلة الامتحانات الوزارية (البكالوريا) لهذا العام اتسمت بالصعوبة الواضحة، خصوصا في مادتي الكيمياء والرياضيات للفرع العلمي، إذ سببت إرباكا للطلبة، على الرغم من أن اللجنة وجّهت وزارة التربية بضرورة الالتزام التام بالمنهج المقرر وعدم الخروج عنه في وضع الأسئلة”.
من جانبه، علق المتحدث باسم وزارة التربية، كريم السيد، على هذه الاتهامات، بأن “أسئلة الدور الأول لطلبة السادس الإعدادي هذا العام جاءت ضمن المنهج الدراسي المعتمد، ولا صحة لما يُتداول عن تعقيد متعمّد أو خروج عن المقرر, واضاف ولم تُرصد ملاحظات جوهرية حول الأسئلة
ويبين أن “ما يعتبره البعض صعوبة في بعض المواد يعود في الغالب إلى اعتماد الطلبة على الملازم المختصرة والمرشحات، ما يؤثر على فهمهم العام للمادة
واؤكد مختصون أن المنافسة على معدلات تفوق 100 بالمئة للدخول إلى كليات الطب مثلا، أمر غير منطقي ولا يعكس واقع قدرات الطلبة بطريقة عادلة، إذ لوحظ أن عدداً كبيرًا، في بعض السنوات، يحقق معدلات تزيد عن 100 بالمئة، مع وصول أدنى معدل للقبول في كلية الطب إلى 100.99 بالمئة، في جامعة بغداد، ما خلق حالة من الاحتكار العملي للمقاعد أمام الطلاب الذين قد يكونون أكفاء علميا، لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق العلامة الكاملة.
وهذه المنافسة الشرسة تخلق ضغطا نفسيا غير مبرر على الطلبة، إذ تتحول درجة مادة الإسلامية أو اللغة العربية، إلى نقطة حاسمة مصيرية لمستقبل الطالب، ما يتسبب بقلق بالغ من الرسوب أو فقدان الفرصة، رغم أن هذه المواد ليست هي الأساس في الطب أو تخصصات العلوم الصرفة.
وعلى الرغم من أن بعض الخبراء يطالبون بإعادة النظر في طريقة القبول الحالية، من خلال اختبارات قبول مركزية أو تقليل تأثير المواد غير التخصصية على المعدل النهائي، غير أن المعايير لا تزال تعتمد بنسبة كبيرة على الدرجة الإجمالية للثانوية، ما يخلق فجوة بين المهارات العلمية الحقيقية للطالب ومتطلبات القبول الرسمية.