د. ابراهيم احمد سمو
المشهد الأول – أمام الباب
(إضاءة خافتة. رجل واقف أمام باب شقة في بناية قديمة. يطرق الباب مرة… ثم مرتين…)
الزائر:
(يهمس لنفسه)
طَرَقتُ الباب… لا صوت، لا حركة، لا أنيس. أين ذهب الجميع؟ هل أخطأت العنوان؟
(ينظر من حوله… يلتفت إلى الخلف ببطء)
صمت. كاميرات المراقبة في كل زاوية… وكأنها تراقب أنفاسي…
(يرتجف)
يا إلهي! هل أدخل بالقوة؟ وإن دخلت؟ إن حدث مكروه؟ وإن كانت الشرطة تراقب المكان؟ سيتهمونني بالاقتحام!
(ينظر مجددًا إلى الباب)
لكنني اتصلت به، قال: “أنا في الدار”… أيعقل أن يكون قد غادر؟
الزائر:
هل أطرق باب الجيران؟ لعلي أجد من يخبرني؟ ربما أشارك أحدهم القرار.
(يتوجه نحو شقة الجار، يهمّ بطرق الباب، فجأة صوت خفيف خلفه – ربما قطة تمرّ… يلتفت، لا يرى شيئًا…)
الزائر (باندهاش):
ما هذا؟!
(يعود مسرعًا نحو الباب الأول، فيجده مواربًا قليلاً)
الزائر (يهمس):
كان مُغلقًا قبل دقائق… من الذي حرّكه؟
(يتردد… ثم يسمع صوتًا خافتًا من الداخل)
صوت غامض:
تفضل…
الزائر (بخوف):
من؟ منذ مدة وأنا أطرق الباب ولا أحد يرد!
صوت داخلي (متحيّر):
أي باب تقصد؟ الباب مفتوح.
الزائر:
لكنني أقسم… كنت أطرقه ولم يفتح أحد!
(يخرج رجل – الجار – من الباب المجاور)
الجار:
أخي، هذه الشقة مهجورة. لم يبقَ بها أحد.
الزائر:
كيف؟ لقد اتصلت قبل ساعة برقم أعطوني إياه، وأكدوا أن العنوان صحيح…
الجار (مستغربًا):
هؤلاء رحلوا قبل أيام. بقيت فقط امرأة خرساء تنظف المكان، ثم اختفت…
الزائر:
أتراها كانت ترد بالرسائل؟ أعطوني اللوكشن بالضبط، وتواصلت مع من زعم أنه صاحب الدار…
الجار:
ربما القچاغچي؟ كثيرون يقعون في شباكه. يرسل امرأة لترد مكانه، تارة خرساء ، و تارة تسمع تارة تتحدث ، رقم غريب، ثم اختفاء…
الزائر (يبتلع ريقه):
يا ربّاه! كنتُ سأدخل بنفسي… كنت أظن أنه مقتول أو شيء فظيع وقع… خفت أن أُتَّهم!
المشهد الثاني – فلاش باك (مقهى مظلم)
(الزائر يجلس على طاولة في زاوية مقهى. رجل غامض يضع قبعة على رأسه ويخفي ملامحه)
القچاغچي:
أوروبا؟ ثلاث ساعات في البحر وتكون هناك… فقط ادفع.
الزائر:
وهل الطريق آمن؟
القچاغچي:
لا تسأل كثيرًا… كل سؤال له ثمن.
الزائر:
لكني لا أريد أن أغرق…
القچاغچي (يضحك):
أنت ميت هنا. على الأقل هناك، احتمال أن تعيش.
(يناوله ورقة فيها رقم هاتف وعبارة: “لا تتصل أكثر من مرة”)
(يغادر القچاغچي المقهى دون أن يلتفت)
المشهد الثالث – الزنزانة
(الزائر في حبس انفرادي، يُسند رأسه إلى الجدار)
الزائر (يهمس لنفسه):
بحثت عن الخلاص، لا الجريمة. أردت أن أهرب من موت بطيء… فوجدتني هنا، محاصرًا بحديد وأسئلة.
(يظهر الجار في زنزانة مقابلة)
الجار:
أدخلوني دون أن أعرف السبب… قالت الشرطة: “متعاون مع مجهول”.
الزائر:
لم أكن أعلم شيئًا… حتى أنه لم يُعطني اسمه!
الجار (ساخرًا):
في بلادنا، الجهل لا يُعفيك من العقاب.
المشهد الرابع – مكتب الضابط
(ضابط يُراجع ملفًّا أمام محقّق من جهة عليا)
المحقق:
لماذا لم تعتقل القچاغچي؟
الضابط:
لا عنوان، لا هاتف باسمه. استعمل امرأة خرساء، ترد على الرسائل، وتُرسل الموقع… ولا أحد يشك.
المحقق:
هل فقدت السيطرة؟
الضابط (يخفض رأسه):
لم أعد أعرف من هو الجاني ومن هو الضحية.
(يُجرد من رتبته. يخرج دون أن ينظر خلفه)
المشهد الخامس – البحر
(صوت أمواج. شاشة تُعرض جثثًا على الشاطئ)
الراوي:
في اليوم الثالث، وصلت جثث إلى الساحل. وجوههم مشوّهة، عيونهم مفتوحة على صدمة الرحيل.
(امرأة تفتح كيس جثة، تصرخ: “ابني!”)
المشهد السادس – العودة إلى الشقة
(نفس الشقة المهجورة. الباب ما يزال مواربًا. على الأرض، ظرف صغير ورسالة مكتوبة بخط رديء)
الراوي (يقرأ):
“لن تجدوني… لكنكم ستجدون من بعدي كثيرين. لن أغرق وحدي، لأننا غرقى منذ الولادة… وداعًا.”
(يُعرض ظل القچاغچي وهو يبتعد في زقاق مظلم)
الراوي:
وهكذا غادر الجميع: الضابط، الزائر، الخرساء، الجار… لم يبقَ إلا الباب.
بابٌ لا يُفتح… ولا يُغلق.