
سعد الهموندي
البارزاني المرجع والملجأ هو عنوان كتاب بقلم الدكتور سعد الهموندي مستشار الرئيس مسعود بارزاني و رئيس مؤسسة رؤى للتوثيق والدراسات الأستراتيجية والمستقبلية، الذي يتضمن محطات مهمة من شخصية الرئيس مسعود بارزاني ومواقفه وبعض الأحداث، التي جعلت منه مرجعًا سياسيًا يستشار ويأخذ بتوجيهاته ونصائحه عند حدوث الأزمات والأنسدادات السياسية ، وملجأ لجميع العراقيين اثناء المحن والظروف الصعبة، لذلك نسعى من خلال نشر اجزاء الكتاب ان نلقي الضوء على خصوصياته الأخلاقية ومواقفه ازاء خصومه و صبره وحنكته وذكائه في التعامل مع المواقف الصعبة التي واجهته سواء اثناء ايام الكفاح المسلح او عند النزول من الجبل لينشأ اقليمًا عامرًا زاهرًا ليصبح رقمًا صعبًا في المعادلات السياسية والتوازنات في العراق والمنطقة.
الحلقة السابعة والعشرون
لكن عمليات تعريب هذه المدينة الكُردستانية لم تبدأ عند تسلم الرئيس العراقي صدام حسين سنة 1968 لكنها كانت مبرمجة قبل ذلك الوقت وازدادت منهجيتها أيضًا بشكل أوسع أيام حكم صدام حسين حيث قامت السلطات بطرد250000 كردي من كركوك واستقدموا عربًا من جنوب العراق واسكنوهم في المناطق الكردية بكركوك، بشكل تعسفي لا مثيل له في التاريخ المعاصر،وكانت السلطات تقوم باعتقال العوائل الكردية التي ترفض ترك ديارها وتزج بهم في السجون المظلمة ثم القيام بإعدام الرجال أمام نسائهم وأطفالهم، وفي المقابل كانت العوائل العربية التي استقدمت من جنوب العراق إلى كركوك كانوا يقومون بالاستيلاء على منازل وممتلكات الكُرد فضلًا عن قيام الدولة بإعطائهم منح مالية كبيرة كانت تقدر بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار عراقي، وكان ذلك المبلغ ذو قيمة كبيرة في ذلك الوقت.
في موضوع تطرق فيه الرئيس مسعود بارزاني حول مسألة كركوك قال:
(إنها تقع داخل الحدود الجغرافية لإقليم كردستان، وهذه مسألة تاريخية كبيرة في نظر الكرد جميعًا ويجب تصحيح هذا الخطأ التاريخي الذي حصل في كركوك، فهناك أقوالٌ تُشاع أن الكرد طامعون بنفط كركوك ولكن في الحقيقة نحن الكرد نطالب بكركوك لكونها مدينة ذات تراث وأصالة وحضارة وثقافة كردية، أما ما يخص النفط فهو ملك للشعب أجمع ونحن ضمن هذا الشعب نطالب بحصتنا وفقًا للقانون، أما غير ذلك فهي أكاذيب أو مجرد أوهام معشعشة في روؤس الحاقدين على الكرد ومسيرتهم الوطنية ومستقبلهم الديمقراطي).
كل الوقائع التي ينظر إليها السياسيون والباحثون والمؤرخون في العالم قد أدركوا الذي قام به النظام السابق في العراق في تغيير الوضع الديمغرافي والإداري لبعض المدن ومنها كركوك، وكفري، وجمجمال، وطوز خورماتو،حيث تم اقتطافها من الشجرة الكردية المثمرة ذات الجذور العميقة في أرضية التاريخ الكردي، وهذه الجذور تتمدد وتتوسع داخل الأراضي الكُردستانية لتعود الحقائق إلى تاريخها القديم لتثبت الإصالة الكردية الباقية على الدوام، أما الشوفينيين وغيرهم من أعداء الحرية المتباكين على كركوك باعتصامهم واحتجاجهم المزيف تناسوا حقيقة التاريخ بأن الأصالة لا تموت وأن التاريخ شاهد حي لا يمكن إزالته بوسائل المخادعة والتحريض والافتراءات والأكاذيب الباطلة، فهولاء ليست لديهم أصلاً فكرة واضحة عن الناحية الجغرافية والسكانية وديمغرافية كركوك وعليهم أن يراجعوا التاريخ ليتأكدوا من هوية كركوك التي لا يمكن التلاعب بخصويتها وبنصوصها المقدسة، إنها تمثل قلب كردستان كما وصفها مسعود بارزاني، وكذلك تمثل قدس كردستان حسب ما وصفها الرئيس الراحل جلال طالباني، وبعدما وضعت المادة(140) من الدستور العراقي (2005)، أصبحت كركوك ضمن (المناطق المتناع عليها)، وأكبر أزمة حصلت بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة أقليم كردستان بسبب اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي فيها (2012)، أو لنقل زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى كركوك، واستقباله من قبل محافظها طبيب الجملة العصبية نجم الدين كريم الكُردي الكركوكلي، في ظروف متأزمة بين المركز والإقليم، ولو لا تلك الظروف، وما حصل إلى حد قد يصل إلى كسر العظم مثلما يُقال، لمرت الزّيارة عادية، فيومها اعتبرت الأحزاب الكُردية، وهي تمثل الإقليم، اختيار كركوك مكانًا لهذا الاجتماع استفزازًا وتجاوزًا على الدُّستور، على أساس أن قضية كركوك، وهي من الأراضي المتنازع عليها بشدة، وليست محلولة بعد وفق المادة 140 مِن الدستور، وأنها منطقة كُردستانية بمعنى تابعة لإقليم كُردستان، وليس مِن حق المركز التصرف بها، فردّ المركز، ممثلًا بالحكومة التنفيذية، بأن كركوك (منطقة عراقية تمثل الأخوة العراقية بين الطوائف التي تعيش فيها منذ القّدم)، وأن عقد مجلس الوزراء جاء ضمن اجتماعاته في بقية المحافظات العراقية، التابعة للمركز، فقد عُقد في البصرة وسيعقد بمحافظات أخرى، وأن حل قضية كركوك لا يتم بالتهديد وفرض الأمر الواقع إنما يتم عبر القنوات الحوارية، وهي قضية يحتاج حلها إلى زمن طويل وتفاهم مريح.
“أي شخص يقوم اليوم بالنظر إلى السياسة الدولية بالشكل العام، والسياسة داخل إقليم كُردستان، سيرى وبشكل واضح أن كُردستان العراق اليوم يتعامل بحذر بالغ مع المتغيرات الإقليمية والدولية، فالسياسيون في الإقليم يعرفون أنهم جزء من بلد يعاني من مشكلات جسيمة، وصراعًا سياسيًا وأمنيًا واسع النطاق، وترتهن سيادته لتدخلات خارجية من قبل أطراف خارجية شتى، لذلك نجد الإقليم وهو يجتهد في إدارة شؤونه وسط هذه التحديات؛ يسعى إلى منهج سياسي قائم على محورين مركزيين، هما الواقعية والتوازن”
بطبيعة الحال، عندما يجري حوار لا ينجح إذا كان المتحاورون قد حددوا مسبقًا ما يريد كل منهم بتشدد لا لين فيه، بينما من عادة الحوار لحل مشكلة لابد من التفكير بتنازلات، لأن من دونها الحرب ستلتهم الأخضر واليابس، وستفقد الأحزاب مصداقيتها في معارضة النظام السابق، فهو الآخر كان قد أنهى الحوار على كركوك (1974) بإعلان الحرب، وقد حصل ما حصل في وقتها من مآسٍ للشعب الكردي بالذات.
ظلت كركوك لسنوات طويلة مستثنية من انتخابات مجالس المحافظات العراقية والكردستانية، نظرًا لوضعها الخاص، فهي واقعة في نزاع بين الأقوام، وبالتأكيد السياسة وراء ذلك، أما الناس فعاشوا وما زالوا يعيشون متجاورين.
فالكتاب والباحثون التاريخيون الكُرد يؤكدون كردية كركوك وحداثة الوجود التركماني فيها الذي يعيدونه إلى السلطان العثماني مراد الرابع، أي القرن السابع عشر الميلادي تقريبًا.
في المقابل يؤكد باحثون تركمان قدم وجودهم منذ العصور الإسلامية الأولى فيها، كمقاتلين في ثغور الدولة الإسلامية بمواجهة الروم آنذاك، ويشيرون لقيام دول تركمانية فيها مثل دولتي (الخروف الاسود) و(الخروف الأبيض) ما هي إلا امتدادًا للوجود السلجوقي التركي الذي كان في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي، وفيما يتعلق بوجود تركماني بالعراق، لا بكركوك فقط، أكدت المصادر التاريخية الإسلامية أنهم استدعوا كمقاتلين من البلاد الإيرانية من قبل الولاة الأمويين، ثم تكاثر عددهم ونفوذهم في زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله، وذلك في القرن التاسع الميلادي، حتى قيل إن الخليفة المذكور نقل عاصمته من بغداد إلى سامراء بفعل كثرة الترك في جيشه وضيق الناس بهم.
ومعلوم أن التاريخ الإسلامي يخبر عن هيمنة تركية في الحكومات العباسية، وذلك منذ زمن المتوكل وحتى سيطرة البويهيين على بغداد، ثم عادوا بقوة بعد السيطرة السلجوقية التركية.
من هنا ليس من شك في قِدم التركمان بالعراق، لكن الخلاف على قدِمهم بكركوك نفسها، فالمنطقة التي توالت عليها دول عديدة أصبحت بعد اكتشاف النفط مقصدًا للعاملين فيها من كل القوميات.
وهنا نرى أن سياسة مسعود البارزاني واضحة تجاه هذه المدينة، فالرأي العام الكُردي، يرى في كركوك قدسًا لإقليم كردستان، ويسعى إلى تأكيد ذلك من الناحية التاريخية والجغرافية، والوثائق الدولية، وجميعها تؤكد على وجود أكثرية كردية فيها، مع الاعتراف بوجود التركماني أيضًا.
وحقيقة أكثر الإثارات في مسألة كركوك بعد عام (2003)، هو ما عُرف بـ (سياسة التعريب) بوجود الأسر العربية، التي أتى بها نظام صدام حسين مقابل نقله للأسر التركمانية والكُردية إلى المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق، ونذكر أن مسعود البارزاني أشار دومًا إلى ضرورة (محو آثار التعريب)، وبسبب (الظلم الذي لحق بالكُرد والتركمان أيضًا)، دعا إلى (مراجعة الوثائق العثمانية وكيف وضعت وثائق كركوك ضمن كردستان العراق).
وهنا يأتي تدخل تركيا كعامل آخر في تأزيم الموقف بكركوك، فتركيا تطرح نفسها حامية للتركمان العراق، وتعتبر كركوك منطقة تركمانية، فيما تستشعر الأحزاب الكُردية الخطر من تصريحات القادة الأتراك ترى الأحزاب التركمانية (السنة تحديدًا) تدخل تركيا، كدولة جوار، مسألة طبيعية.
وهي قوة ضاغطة ضد الهدف الكُردي بكركوك، مثلما حدث في تلعفر، فخلال المواجهات بين المسلحين بالمدينة والقوات الأميركية أكثرت تركيا من التصريحات بشأن حماية التركمان، وتصاعد الموقف التركي بعد الاستفتاء، وإذا كان البارزاني يتحدث عن كركوك بحدود (كردستان العراق)، فاليوم يجب أن تنتهي هذه التسمية، وربما تصبح كركوك عاصمة كُردستان أو عاصمتها الثانية.
كردستان عاصمة الشرق الحديث:
أي شخص يقوم اليوم بالنظر إلى السياسة الدولية بالشكل العام، والسياسة داخل إقليم كُردستان، سيرى وبشكل واضح أن كُردستان العراق اليوم يتعامل بحذر بالغ مع المتغيرات الإقليمية والدولية، فالسياسيون في الإقليم يعرفون أنهم جزء من بلد يعاني من مشكلات جسيمة، وصراعًا سياسيًا وأمنيًا واسع النطاق، وترتهن سيادته لتدخلات خارجية من قبل أطراف خارجية شتى، لذلك نجد الإقليم وهو يجتهد في إدارة شؤونه وسط هذه التحديات؛ يسعى إلى منهج سياسي قائم على محورين مركزيين، هما الواقعية والتوازن.
/////////
فلم يعانِ إقليم كردستان كثيرًا من بناء علاقات خارجية واسعة، فقد سعى مسعود البارزاني منذ عقود على إدارة مثل هذه العلاقات، خاصة قبل أن يجري في عام 2005 إقرار الدستور العراقي الذي منحه صلاحيات وحقوقًا واسعة لتكريس هذه الاستقلالية النسبية في السياسة الخارجية، والتي أكدها مسعود البارزاني لهدفه في حفظ أمن كردستان وتطوره وبقاؤه سالمًا.
” نرى الأهمية لكُردستان اليوم من ناحية الصراع الإيراني الأمريكي، بالإضافة إلى ذلك يطمح البارزاني وبشكل مستمر إلى الحفاظ على علاقاته الدولية على أساس التفاهم والأحترام المتبادلين، فهو يؤمن أن العنف ليس حلًا للمشكلات السياسية بل ينبغي على جميع الأطراف السعي إلى اتخاذ الوسائل الديمقراطية والسلمية لحل كل القضايا العالقة، فالمقبولية التي يحظى بها مسعود البارزاني من قبل الكثير من عواصم العالم كافية لإرساء الوزن السياسي لأربيل ضمن معادلات السلام، فالصراعات اليوم متعددة ومتداخلة ضمن إطار الدول، كما أن الهيكلية الكاملة لنظام الدول في الشرق الأوسط معرضة للخطر، من هنا أطلق إقليم كًردستان استراتيجية تحافظ على نظام الدول في الشرق الأوسط”
فالإقليم لا يريد أن يكون جزءًا من أي أجندة إقليمية أو طرفًا في الصراعات بين دول المنطقة.
فكُردستان اليوم أصبحت طرفًا مؤثرًا وشريكًا إيجابيًا في اللعبة الإقليمية والدولية عامة، وفي موازين الشرق الأوسط بشكل خاص.
وإذا أردنا أن نُركز أكثر في السياسة الإقليمية التي تبعها مسعود البارزاني سنرى أنه لم يضع ثقله السياسي فقط ضمن الجغرافيا الأميركية، فقد قام ببناء استراتيجية خارجية مع تركيا وإيران ودول الخليج، ومع روسيا والصين كذلك.
فدول الخليج مثلًا تمثل بالنسبة لكُردستان العراق مفتاح العلاقة مع العمق العربي، فنرى أن سياسة البارزاني قامت على تعزيز العلاقات مع هذه الدول، خاصة في الاستثمارات الاقتصادية الواسعة.
وهنا نرى أن سياسة البارزاني تقوم على صناعة استراتيجية تضمن لكُردستان العراق المكانة السياسية المهمة ضمن سياسة الشرق الأوسط.
فإقليم كُردستان يتعامل بشكل متفائل مع دول الشرق، ويعمل دومًا على استعادة الدفء في العلاقة مع بغداد، فالزيارات التي يقوم بها الزعيم الكردي، مسعود البارزاني، إلى دول العالم عامة والشرق أوسط وبغداد خاصة؛ دائمًا تغير الأوضاع السياسية في المنطقة نحو الأفضل، وخاصة الواقع الاقتصادي والمعيشي.
فلا يمكن أن يكون انفتاح الكثير من العواصم العربية، وعلى رأسها بغداد على البارزاني مجرد انتباهة مفاجئة لأهمية كردستان وزعيمها، ولن يكون موضوعيًا التعامل مع عودة أي عاصمة للعلاقات مع أربيل، من غير حساب المعادلات الإقليمية، والتأثيرات الخارجية المباشرة.
فسياسة البارزاني الخارجية ومنذ عام 2003، معروفة لدى الجميع بأنها تشكل بيضة القبان، التي توازن كل المعادلات السياسية، وخاصة ضمن الوضع العراقي الداخلي.
فحضور الكُرد السياسي الموحد في البرلمان تحت اسم التحالف الكردستاني بعدد مؤثر من المقاعد، يفرض نفسه على معادلات تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء، وعلى التحالفات السياسية التي تلت كل انتخابات عامة جرت في العراق منذ العام 2005، وفي مجمل هذا الحضور مثٌل التحالف الاستراتيجي للكرد مع القوى السياسية الشيعية متغيرًا ثابتًا تحكم بتوجهات الكرد بشكل عام، وفي رؤيتهم للحصول على مصالحهم.
وهذا التحالف الخارجي نشأ حقيقة الأمر منذ تسعينات القرن الماضي، من خلال العمل المشترك في إطار القوى المعارضة لنظام الرئيس الراحل، صدام حسين، وقد تأسس هذا التحالف على أساس مرجعيات سابقة تعود إلى الحرب العراقية الإيرانية، حينما دعمت القوى الشيعية التابعة لإيران التحرك الكردي المسلح، وعمل الطرفان سوية بدعم من طهران ضد حكومة البعث.
وهذا التحالف أدى غرضه بصناعة سياسة استراتيجية كُردية، وهو الذي فتح أنظار الدول العظمى إلى المكانة السياسية للكُرد في المنطقة.
وهو ما استثمره الاميركيون، بتعزيز التعاون بين الطرفين ضمن إطار معارضة النظام.
فالفرص التاريخية التي صنعتها البارزاني بسياسته الخارجية حققت لأربيل مكانة عظيمة في وسط السياسة الشرق أوسطية، كما تهيأ للكرد أن يحققوا الكثير من أهدافهم السياسية، ثم وفي مرحلة لاحقة، أعادت المصالح أربيل الى المشهد السياسي العراقي، ولكن من دون ضمانات بالثقة، ففي صيف عام 2014 انهار الجيش العراقي أمام تنظيم الدولة الإسلامية -داعش، وانسحب من كركوك والموصل والكثير من المحافظات، وهنا وعلى الفور استطاعت قوات البيشمركه إعادة الموازنة العسكرية.
وهنا يمكننا القول إن هذا المؤشر العسكري القوي للبيشمركه أظهر مسعود البارزاني لدول الشرق الأوسط خاصة ودول العالم عامة كقوة سياسية وعسكرية لا يُستهان بها، بل كقوة مطلوبة لتحقيق محور التوازن في الشرق.
وهنا أيضًا تعاملت طهران بجدية بالغة مع التهديدات الأميريكية، لكنها بنفس الوقت ترى أن المدى الذي يمكن أن يصلها بواشنطن يمر من خلال أربيل بالدرجة الأولى، وبوساطة السياسة البارزانية، فهي من جهة تعرف الوزن السياسي لأربيل ضمن منطقة الشرق الأوسط، وضمن المعادلات السياسية الأمريكية الخارجية، ومن ثانية تبني تكتيكاتها على أساس منع واشنطن من تحقيق وجود مؤثر وضاغط في المنطقة، ولا سيما العراق، وهكذا تضطر إلى التفاهم معها بدلًا من قتالها.
ولتحقيق هذه الغاية، كان من المهم لإيران أن تحاصر المصالح الأميركية في بغداد، وأن تخلق لنفسها المزيد من مصادر الضغط والحلفاء، لاسيما إن كان هؤلاء من بين القوى المحسوبة أصلًا على الجناح الأميركي تاريخيًا، وفي هذا المفترق بالذات طلبت إيران من البارزاني لإعادة إنتاج فرصة سياسية لها ضمن إقليم كُردستان، فموطئ قدم لها في أربيل يعني موطئ قدم في منطقة معززة سياسيًا، لكن البارزاني أصر ضمن سياسته الدولية من جعل أربيل عاصمة سياسية حيادية لدى جميع الأطراف.
وهنا نجد أن السياسة التي اعتمدها البارزاني تجاه بغداد كانت قائمة على بناء أفضل العلاقات الممكنة، فحكومة كُردستان تعمل باتجاه بغداد على تعزيز التعاون المشترك بين المؤسسات والتنسيق لرئيس دائرة العلاقات الخارجية في إقليم كُردستان المباشر مع وزارة الخارجية العراقية في بغداد، ومع السفارات العراقية في الخارج، ويعمل بشكل مستمر لتعزيز العلاقات بين الطرفين وذلك بالتعاون في مجالات زيارة الوفود الأجنبية وبرامج التدريب الدولي للدبلوماسيين والأنشطة العراقية في الأمم المتحدة والعديد من المشاريع المهمنة الأخرى.
من هذا المنطلق نرى الأهمية لكُردستان اليوم من ناحية الصراع الإيراني الأمريكي، بالإضافة إلى ذلك يطمح البارزاني وبشكل مستمر إلى الحفاظ على علاقاته الدولية على أساس التفاهم والأحترام المتبادلين، فهو يؤمن أن العنف ليس حلًا للمشكلات السياسية بل ينبغي على جميع الأطراف السعي إلى اتخاذ الوسائل الديمقراطية والسلمية لحل كل القضايا العالقة، فالمقبولية التي يحظى بها مسعود البارزاني من قبل الكثير من عواصم العالم كافية لإرساء الوزن السياسي لأربيل ضمن معادلات السلام، فالصراعات اليوم متعددة ومتداخلة ضمن إطار الدول، كما أن الهيكلية الكاملة لنظام الدول في الشرق الأوسط معرضة للخطر، من هنا أطلق إقليم كًردستان استراتيجية تحافظ على نظام الدول في الشرق الأوسط، وذلك من خلال فتح المجال أمام حركة الاستثمار الأجنبي المباشر، والذي يعتبر اليوم أحد أبرز معالم الاقتصاد الرأسمالي لمزاياه المتعددة في مجالات التعاون بين الدول.