البرزنــچــي يؤرخ للسورميري الآتي من قرية ورمزيار

 

عدنان رحمن

في مطبعة ته ژ نه- السليمانية في العام 2025 صدر كتاب بعنوان ( المشرف التربوي عبد الستار كاظم.. صفحات مشرقة في الأدب واللغة)، الذي كان من اعداد محمد صالح عبد الكريم البرزنـچـي، ورد فيها ما كُتِبَ بقلم نجله د. مؤيد عبد الستار تحت عنوان ( سيرة أب- الاديب المشرف التربوي عبد الستار كاظم):

– ” ليس من السهل ان تؤرخ لسيرة أب، فمن الصعب الذي يقرب من المستحيل تجنب العاطفة التي تبقى المحرك الأساس الذي يظهر ويختفي دون انتباه الكاتب، وهو ما يسمى مشاعر اللاوعي القابعة في اعماق الانسان التي لا ندركها، فهي تراوغ وتختفي تحت مختلف الصور التي قد لا نستطيع تشخيصها بسهولة. كما يصعب الالمام بالنواحي المختلفة لاهتمامات الديب الراحل التي كانت تتوزع بين التربية والتعليم التي قضى فيها نحن نصف قرن معلما ومديرا ومفتشا تربويا حتى تقاعده عام 1972، فضلا عن مساهماته في الصحافة والكتابات الادبية والترجمة والتأليف باللغتين العربية والكوردية ومشاركته في اللجان التي وضعت كتب المناهج الدراسية في العراق، اضافة الى اهتمامه بعلوم الرياضيات التي برع فيها وحصل فيها على شهادة قادة الرياضيات الحديثة في السبعينيات من القرن العشرين، وقد درّسَها للمعلمين من خلال دورات خاصة من أجل تأهيلهم لكي يقوموا بتدريسها فيما بعد في المدارس العراقية. لذا سأحاول قدَر الإمكان في سردي لهذه السيرة ان أكون شاهداً فقط، وانقل ما جاء بقلم والدي نفسه او بقلم من كتب عنه او ذكره في مجال من المجالات التي كان يعمل او يكتب فيها والتي استطعت العثور على معلومات منها، لان معظم تراثه في الوطن، وبسبب وجودي خارج الوطن فانه لم يحالفني الحظ في الحصول على الكثير منها، حيث حصلت على القليل بسبب الزيارات الخاطفة المتباعدة فقط. فكانت هذه الباقة من الاخبار والصور والكتابات ننشرها عسى ان تسنح فرصة اخرى استطيع فيها الوفاء بحث اب ترك بصماته في مجال التربية والتعليم والتأليف والترجمة في العراق خلال نصف قرن، وكان فيها ليألوا جهدا من تقديم عصارة علمه وادبه وجهوده من اجل تربية وتعليم الاجيال ورفد الثقافة العربية والكوردية في العراق بما ينفع من علم وأدب، فقد ساهم من خلال عضويته في وضع مناهج التربية والتعليم الابتدائي بتأليف الكتب المنهجية للمدارس العراقية، حيث كان من اولى كتبه التي ألفّها هو ( القراءة الخلدونية) التي عمل على تغييرها من ( قراءة زير زيران) الى ( دار داران). وكان يستند في ذلك الى جهل الطفل العراقي بكلمة ( زير) الشامية، لأن واضعها كان ساطع الحصري الشامي الاصل، بينما كلمة ( دار) فهي شائعة الاستخدام، حيث يستطيع الطفل استيعابها وحفظها بسهولة ويُسر. كما ساهم في تأليف كُتب الحساب الحديثة لمختلف المستويات. كما اشترك في تأليف كتاب ( القراءة الكوردية) بعد ان تقرر تدريسها في المدارس العراقية الى جانب القراءة العربية وذلك بعد اتفاقية السلام التي اعلنت في 11 آذار عام 1971 بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية، حيث كانت رؤيته في تأليفها تنطلق من محاولة ايجاد الكلمات المشتركة بين اللهجات الكوردية من اجل استخدامها كي تكون اساسا لتعليم اللغة الكوردية بسبب الاختلاف الموجود بين اللهجات الأساسية الثلاث ( السورانية، البهدينانية، والفيلية) اختلافا ملحوظا في لفظ الكلمات واستخدامها ومحاولته طرح استخدام الاكثر شيوعا وذكر الاقل شيوعا معها مثل كلمة ( ماء لانها تستخدم ايضا آو ، آف). كما اسهم في ترجمة العديد من المصادر المختصة بالأدب الكوردي الكلاسيكي والمعاصر، حيث ترجم لكبار الشعراء الكورد، ونشر في العديد من الصحف والمجلات العراقية، وترجم العديد من القصص الكوردية المعاصرة، ومنها ما نُشِرَ في كتاب صدر ببغداد بعنوان ( الذئاب). كما اسهم في دراسة للمقارنة بين اللهجات الكوردية، وقد نشر كتاب حول ذلك بعنوان ( ذيل كتاب اللهجات الكوردية المقارنة)، التي طبعها ونشرها المجمع العلمي العراقي- الفرع الكوردية. فضلا عن ذلك فقد اسهم في النشاطات السياسية، وكان قريبا من حاملي فكر الحزب الشيوعي العراقي، حيث انه أسس مع مجموعة من الشباب في مدينة الكوت اول خلية تنظيم للحزب الديمقراطي الكوردستانـــي ( الـپـارتي) في الخمسينيات من القرن العشرين. ولا انسى ما قامت به حكومة رئيس الوزراء نوري السعيد في العهد الملكي على اثر انتفاضة الحي ( قضاء الحي في محافظة واسط) البطلة، بعد ان صدر حكم الاعدام على عطا الدباس ورفيقه علي، فسافر والدي الى الحي لتوديعهما، وبعد عودته قصّ علينا شجاعة الشهيدين من خلال وصف موقفهما البطولي، حيث انهما جلسا في مجلس خاص لتوديعهما وسط عدد كبير من الأهالي، فضلا عن ما اخبرنا به الوالد عن تدريبهم على السلاح في ساحة معروفة قرب مقر شرطة الخيالة في مدينة الكوت في العام 1958، وايضا كان من مؤسسي نقابة المعلمين / كوردستان التي عقدت مؤتمرها التأسيسي في مدينة شقلاوة عام 1959. واحب ان اورد بطاقته الشخصية، فقد ولد عبد الستار كاظم اسماعيل بن الامير ناصر بن الامير ميفر السوره ميري عام 1925 في مدينة الكوت، وكانت اسرة جدي قد انتقلت من موطنها على نهر الوند في خانقين، حيث كانت اراضيهم الزراعية في المثلث الذي يقع بين نهر الوند ونهر سيروان، وان قريتهم تسمى ( ورمزيار)، التي اصبحت بعد ترسيم الحدود بين ايران والعراق بعد الحرب العالمية الاولى تابعة للعراق. ولكن للاسف دمرت بسبب ظروف الحرب العراقية- الايرانية وغيرها من الحروب التي مرت عليها. جدير ذكره ان قبيلتنا هي ( الريزه وند) التي تنتمي الى عشيرة اكبر هي ( سوره ميري)، ولكنها كتبت في السجلات الرسمية ( سورملي) بسبب عدم معرفة وعدم اتقان موظفي النفوس والاحوال المدنية للكلمات الكوردية وطريقة كتابتها لعدم معرفتهم بالاملاء الكوردي. وقد كانت عوامل المناخ السيئة والجفاف الذي اصاب المنطقة التي كان يستقر فيها جدي واسرته في اوائل القرن العشرين، فضلا عن هجوم الجراء والتهام كل شيء من المزروعات الذي ادى بالتالي الى حدوث قحط لمدة ثلاث سنوات متتالية. هذا ما داى بأسرة جدي المزارعة الى الانتقال الى مدينة زرباطية، ثم هاجروا الى مدينة الكوت، وعمل جدي لأبي عسكريا في الجيش العثماني، وبعد ان انكسر الجيش العثماني في الحرب العالمية الاولى عند حدود ( سلمان باك) في معركة باتت مشهورة، فيها أسِرَ جدي بسبب نفاذ العتاد منه، بعد ذلك تم ابعاده الى الهند. وبعد ثلاث سنوات عاد الى العراق هارباً من معسكر الاعتقال في ( بيلاور- الهند). وحسبما اخبرني انه ومجموعة من رفاقه عادوا سيرا على الاقدام من الهند الى العراق مرورا بايران، لذلك توفي البعض منهم بسبب مشقة الطريق والجوع، وعندما عاد الى اراضيه القديمة وجد انها قد بيعت من قبل اقاربه لانهم اعتقدوا انه قد توفي في الحرب، وذلك لعدم وصول اخبار لهم. نشأ والدي عبد الستار كاظم في مدينة الكوت وتعلّم في الكتاتيب عند الملا درويش ( جد أمي)، وقد تعيّن معلما في اول مدرسة افتتحت بمدينة الكوت في العشرينيات من القرن العشرين. ( ) حيث ورد في هذا المصدر ان الاستاذ ملا درويش هو معلم بالرقم 3. وبعد اكمال والدي مرحلة المتوسطة حرصت والدته ( زارا- زهرة يونس) من اللور الكورد التي تعود اصولها الى مدينة قصر شيرين، على ان يكمل ابنها الوحيد دراسته في بغداد. لذلك وبعد الحاحها سافر والدي الى بغداد وهو يافع السِنْ ليدرس في دار المعلمين ليتخرج منها نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1944، ومن ثم يتعيّن معلما في مدينة الصويرة، ومنها الى عدة مدن في العراق حتى استقر في مدينة الكوت. اواخر الخمسينيات من القرن العشرين اصبح مديرا لمدرسة النجاح الابتدائية في الكوت، ثم انتقل الى بغداد للتفرغ والعمل في مؤسسة الدراسات التربوية الكوردية التي كانت تقع مقابل بناية السراي- القشلة. ثم انتقل الى دائرة التفتيش ليصبح مفتشا تربويا، وساهم حينها في تأليف المناهج الدراسية كما اسلفنا، وقد استمر في سلك التربية حتى تقاعده اواخر السبعينيات من القرن العشرين بدرجة رئيس مفتشين. ثم بعدها تفرّغ للعمل في الصحافة، حيث اصبح مُحرراً في صحيفة التآخي التي حولتها السلطات فيما بعد الى جريدة العراق. وقد رأس تحرير مجلة كوردية حتى رحيله عام 1994 الى دنيا الخلود، وايضا كان نائبا لرئيس جمعية الثقافة الكوردية ببغداد، ومن بين مؤسسي جريدة ( ئاسو) في العام 1989″.

 

 

قد يعجبك ايضا