مقبرة الكلمات… حين تتحدّث الأرواح

عنوان المسرحية:

مقبرة الكلمات… حين تتحدّث الأرواح

د. ابراهيم احمد سمو

الشخصيات:
• الروح: كاتب راحل، لم يُقدَّر في حياته.
• الصوت الداخلي: ضمير يتكلم من عالمٍ غامض.
• الظل: كائن رمزي، يُجسّد الضمير الجمعي.

المكان: مقبرة رمزية لا تُشبه المقابر التقليدية، بل هي فضاء واسع تعلوه رفوف من الكتب المهترئة، وعناوين بُليت مع الزمن. لا شواهد حجرية، بل أغلفة مجلات مهملة، ودفاتر ممزقة. الضوء خافت، أزرق باهت، كما لو أنه صادر من بقايا حلم.

الزمن: خارج الزمن. بعد الرحيل، لكن قبل النسيان.

(الستارة تُفتح على روح تسير بخطى ثابتة ، في فضاء رمادي بين أكوام من الأوراق. يرتدي الروح معطفًا طويلاً مغطّى بالحبر، ويمسك بكتاب صغير ممزق الزوايا.)

الروح (بصوت داخلي، شجيّ):
هل انتهى كل شيء؟
كنت أكتب كي أُسمِع، لا كي أُدفن.
أصرخ في نصوصي، وأستنجد بالقلم،
لكن الضجيج كان أعلى من ندائي.
وهنا… حيث لا قارئ، ولا رقيب،
أعيد قراءة نفسي بصمت!

(يمشي ببطء نحو كومة من الدفاتر المحترقة. ينحني، يلتقط صفحة، يتأملها.)

الروح:
هذه كتبتُها في ليلة انقطعت فيها الكهرباء عن المدينة،
وبقيت أنا أضيء عتمتي بولاعةٍ وورقة،
كان النص عن الحرية…
فجاء من صادرها ليحرقه!

(ينبعث صوت غريب، كأنه قادم من جوف الأرض.)

الصوت الداخلي:
أيها الراحل، لا تخف…
فما كُتب لا يُمحى،
حتى إن مزّقوه،
الكلمات تهاجر من الورق إلى الأرواح.
ألم تكن تعرف أن بعض الكتب تُدفن لتُبعث؟

الروح (باندهاش):
من أنت؟ وكيف تُخاطبني بلغة الألم نفسها؟
أأنا وحدي في هذه المقبرة؟

الصوت الداخلي:
أنت وحدك الآن… لكنك لست الوحيد.
قبلك كُثر، وبعدك المزيد.
كل مَن قال “لا” دفع الثمن،
والمقبرة هذه، ما هي إلا أرشيف الرفض الجميل.

(يقترب الروح من رفّ مُتهالك، يسحب كتابًا بلا عنوان، يفتحه بحذر.)

الروح:
لا فهرس، لا اسم مؤلف،
فقط جملة واحدة: “مَن يكتب، يواجه”.

(يضحك بحزن.)

الروح:
واجهت كثيرًا… الحذف، التأويل، التخوين،
لكنّي لم أتوقّع أن أُدفن بين السطور!

(يظهر الظل فجأة، بملامح مبهمة، عباءته ممزقة كأنها خارطة وطنٍ مُهان.)

الظل (بصوت عميق):
حتى وأنا ظلّ، أرتعش من شتاء التجاهل.
كنتَ نداءً عاليًا وسط سوقٍ يعجّ بالمهرّجين.
كانوا يرقصون على مقالاتك،
كما يرقصون على القبور…
يستهزئون، ثم يسرقون الفكرة!

الروح (ينظر إليه بتأمل):
أتُراني كنتُ طيبًا أكثر من اللازم؟
أم حادًا بما يكفي ليُقصوني؟
ما الفائدة من أن تقول الحقيقة،
إن كانت لا تُنقذ روحًا واحدة؟

الظل:
بل أنقذت.
أنقذتَ ضميرك أولاً.
ثمَّ تركتَ شيفرة لِمَن يأتي بعدك،
ليُكمل الرسالة من تحت الركام.
كلّ جملةٍ قلتها كانت سيفًا،
وكلّ صمتٍ منهم كان اعترافًا بضعفهم.

(ينظر الروح نحو السماء، كأنّه يستمع لنبض بعيد.)

الروح:
كنتُ أؤمن أن الكتابة لا تموت.
لكنّي لم أُدرك أن الكاتب قد يُدفن حيًّا.
هم صادروا مقالي الأخير،
لكن هل صادروا شجاعتي أيضًا؟

الصوت الداخلي:
الشجاعة لا تُصادر…
إنها تنبت من الألم.
وكلّما زاد القمع، ازداد طيفك بريقًا.
أنظر حولك… كل هذه الأوراق المحترقة،
هي شموع، لا رماد.

(ينحني الروح، يلمس ورقة محترقة، تنبعث منها إضاءة خافتة.)

الروح (بذهول):
إنها تتوهّج!
ألم أقل ذلك مرةً؟
“الحروف لا تموت… بل تنتظر من يُنقذها من الصمت”.

الظل (يبتسم بخفوت):
وها قد عدت، لا لتبكي، بل لتُعلن البعث.
مقبرة الكلمات هذه… ليست نهاية،
بل بداية النصّ الذي لا يمكن محوه.

الروح:
وإن عدتُ للحياة…
فلن أكتب نصًّا يُرضيهم.
بل نصًا يُحرّرني منهم!

الصوت الداخلي:
هذا هو عهد الكتّاب الأحرار،
أن يُولدوا من الرماد،
ويكتبوا بالحبر الممزوج بالوجع.
ثمّ يمضوا…
وحدها الحقيقة تبقى.

(تُغلق الستارة ببطء على مشهد الروح وهو يجمع الأوراق المحترقة،
يرتّبها فوق رفٍ جديد،
ثمّ يكتب فوقه: ( من هنا تبدأ الحكاية)

النهاية.

قد يعجبك ايضا