د. مريم كاظم هادي
العلاقة بين الإسلام والنصرانية علاقة طويلة الأمد عميقة الجذور، متنوعة الأطوار، متعددة الأوجه… كانت بدايتها الهجرة الأولى إلى الحبشة وما تلا ذلك من محاورات في مجلس ملكها النجاشي، ثم تتابعت مكاتبات الرسول الكريم إلى الملوك والرؤساء النصارى في مصر والشام ونواحي الجزيرة ،ثم انتقلت العلاقة إلى الحرب بين جند الإسلام وجنود هرقل على حدود الشام… وتوالت حركة التاريخ بين الجانبين بين مد وجزر تارة يغلب جانب البيان، وأخرى يُضطر فيها إلى السنان، وتارة تكون الغلبة لجند الرحمن، وتارة يدال منهم، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [سورة آل عمران الآيتان141،140] .
وفي أثناء ذلك تحولت فئات كثيرة منهم إلى الإسلام، كما تحول كثير من أبناء الأمم والأديان الأخرى إلى هذا الدين، وسيطر الإسلام على كثير من بلادهم فإذا الإسلام يمسك بتلابيب النصرانية ويحاصرها ويحصرها في مضايق ودهاليز أوروبا كما قال جاير دنر في مؤتمر أدنبره للتنصير: ( إن مشكلة الإسلام هذه مسألة لا يمكن أن نتغافلها ببساطة – ليست حتى في مواجهة الأوضاع العاجلة بطريقة لا يمكن وصفها، والتي تواجهنا في الشرق الأقصى، وهذه أولا، لأن الإسلام على أبوابنا، فمن أقصى الساحل الشمالي لأفريقيا يواجه أوروبا إنه فعلاً يلمسها، ويمكن القول إنه يمسكها عملياً من طرف البحر المتوسط عند أعمدة هرقل وعند القسطنطينية… فكروا في تلك الكتلة المركزية لعالم الإسلام الصلب من شمال أفريقيا إلى غرب و وسط آسيا إنه كإسفين ثابت يحجب الغرب المسيحي عن الشرق الوثني ). وكانت غلبة الإسلام لغيره من الأديان والأقوام محل إعجاب وانبهار من قبل خصومه، حتى قال جورج بوش الجد: (لقد وضع – أي محمد صلى الله عليه وسلم – أساس إمبراطورية استطاعت في ظرف ثمانين سنة فقط أن تبسط سلطانها على ممالك وبلاد أكثر وأوسع مما استطاعته روما في ثمانمائة سنة، وتزداد دهشتنا أكثر وأكثر إذا تركنا نجاحه السياسي وتحدثنا عن صعود دينه وانتشاره السريع واستمرار رسوخه الدائم.
والحقيقة أن ما حققه نبي الإسلام والسلام لا يمكن تفسيره إلا بأن الله كان يخصهما برعاية خاصة، فالنجاح الذي حققه محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يتناسب مع إمكاناته، ولا يمكن تفسيره بحسابات بشرية معقولة).
ويتفق جورج بيترز مع جورج بوش في أن الإسلام يملك مقومات ذاتية تهيئ له القبول وتحميه من الذوبان حيث يقول: ( إنني أميل إلى الاتفاق مع فاندر وزويمر وفرينتاك وآخرين فيما ذهبوا إليه من أن الإسلام حركة دينينة معادية للنصرانية، مخططة تخطيطاً يفوق قدرة البشر إلى أن يقول: وفي ذات الوقت فالنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعياً وسياسياً ويفوق في ذلك النظام الشيوعي، ولكن هذه الحقيقة يجب ألا تثبط عزم المنصرين أو تعميهم عن رؤية العديد من نقاط الاتصال أو الجسور، فهي حقيقة تضع الإسلام في وجهته التاريخية والدعائية الفريدة فقط، وعلى كل حال يجب ألا تخيفنا هذه الحقائق؛ … وليس هناك نظام متماسك لم يترك الرب فيه شروخاً تجد دعوته طريقاً من خلالها) .
ويرجع أليكسي جورافسكي في كتابه الإسلام والمسيحية ظهور الإسلام وترسخه السريع والقوي في أراض آسيوية وأفريقية واسعة أثناء مسيرة الفتوحات الإسلامية الذي حدد – بصورة حاسمة – مصير النصرانية الشرقية التي قابلت الدين الجديد (الإسلام) دون أية مقاومة، بل بالترحاب في كثير من المناطق – ومرد ذلك الموقف إلى عدة عوامل , أهمها :-
أولاً: تسامح الإسلام إزاء القضايا المتعلقة بإقامة طقوس العبادة المسيحية ( طبعاً, بشرط التعاون السياسي).
ثانياً: بسبب أن المسلمين حموا المسيحيين من تعديات و اعتداءات و ملاحقات إمبراطورية بيزنطية غير المتسامحة مطلقاً. ويقول في موطن آخر: والواقع أن الإسلام يتمتع اليوم بشعبية بين السكان الأفارقة, أكبر بكثير من المسيحية. فشعائر الإسلام أكثر بساطة , ومتطلباته الدينية أقل تشدداً, كما أن الدخول في دين الإسلام يرتبط بصعوبات طقسية أقل بكثير من طقوس التعميد عند المسيحيين. إضافة إلى عامل اجتماعي مهم هنا, مثل تعدد الزوجات, الذي ينظر إليه الإسلام بصورة ميسرة و متسامحة. ولهذا فإن الأسهل على الإفريقي الناضج والأقرب إلى فطرته أن يعتنق الإسلام دون أي دين آخر).
ومع هذا الاعتراف بهذه الحقائق، والإدراك التام لما يحمله الإسلام من مقومات… فلا تزال الرغبة قائمة في تحقيق نصر كاسح يدفع إليه عداء كاسح، ولذا لا يزال السجال العسكري قائما بين الأمتين، يخبو تارة ويعصف في تارة أخرى من خلال حدث تقتضيه الاستراتيجيات، وتمليه المصالح، ويدفع إليه البغي منهم إذا أنِسوا منهم قوة ورأوا منا ضعفاً.
ويرى محمود شاكر رحمه الله أن الصراع بين الطرفين مرّ بأربع مراحل هي:
المرحلة الأولى: صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام ، فبالغضب أمّلت اختراق دار السلام لتسترد ما ضاع ، تدفعها بغضاء حية متسامحة ، لم تمنع ملكاً ولا أميراً ولا راهباً أن يمد المسلمين بما يطلبونه من كتب (( علوم الأوائل – الإغريق ))، التي كانت تحت يد المسيحية يعلوها التراب. وضل الصراع قائماً لم يفتر ، أكثر من أربعة قرون .
المرحلة الثانية : صراع الغضب المتدفق من قلب أوربا ، مشحوناً ببغضاء جاهلية عاتية عنيفة مكتسحة مدمرة سفاحة للدماء ، سفحت أول ما سفحت دماء أهل دينها من رعايا البيزنطية ، جاءت تريد هي الأخرى ، اختراق دار السلام ، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقى في الشام قرنين ، ثم أرتد خائبا إلى مواطنه في قلب أوربا.
المرحلة الثالثة : صراع الغضب الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية ، من تحته بغضاء متوجهة عنيفة ، ولكنها مترددة يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام ثالثة بالسلاح وبالحرب ، فارتدعت لكي تبدأ في إصلاح خلل الحياة المسيحية ، بالاتكاء الشديد على علوم دار الإسلام ، ولكي تستعد لإخراج المسيحية من مأزق ضنك مُوئِس ، وظلت على ذلك قرناً ونصف قرن.
وهذه المراحل الثلاث ، كانت ترسف في أغلال (( القرون الوسطى )) أغلال الجهل والضياع . ولم تصنع هذه المراحل شيئاً ذا بال .