د. ابراهيم احمد سمو
شخصية واحدة: “الرّاوي/السجين”
الديكور: غرفة فارغة، فيها كرسي متهالك، مرآة صغيرة على الجدار، مصباح يتدلّى من السقف، و”ريموت كنترول” ملقى على الأرض.
الإضاءة: خافتة، تتغير حسب الحالة النفسية للشخصية.
الصوت الخلفي: أصوات أخبار متقطعة، ثم موسيقى هادئة، ثم صمت مطبق.
(الرّاوي يدخل بخطوات مترددة، ينظر إلى الجمهور، يضحك بمرارة)
الرّاوي:
هل ترون هذا المكان؟
(ينظر حوله)
لا أبواب موصدة، لا قضبان، لا صراخ سجّان، لا صفارات تفتيش.
ومع ذلك… أنا في سجن.
(يصمت لحظة، ثم يرفع يده إلى صدره)
السجن هنا… في داخلي.
كل شيء متاح: الهواء، الماء، الضوء، الشاشة، الطعام.
بل حتى الرقص، والغناء، والضجيج.
أعيش حرًّا… لكنني مقيد.
(يتقدّم نحو الكرسي ويجلس ببطء، يلتقط الريموت من الأرض، يقلبه بيده كما لو كان متفجرًا)
هل تعرفون هذا الشيء؟
صندوق أسود صغير، لكنه يختصر العالم.
أزرار قليلة تتحكم في كل شيء:
أخبار، موسيقى، رقص، دين، فلسفة، رعب، ضحك، دم.
(ينظر إلى المرآة على الجدار، يقترب منها فجأة)
كل صباح أقول لنفسي:
اليوم، لن أفتح التلفاز.
سأصلي، سأقرأ، سأفكر، سأكتب، سأتأمل…
أريد أن أهرب من الضجيج.
(يتراجع قليلاً، يبدأ بالمشي ذهابًا وإيابًا)
ساعة… ساعتان… ثلاث…
ثم يحدث شيء غريب…
فراغ داخلي…
أسمع همسًا بداخلي: “افتحه… فقط نشرة قصيرة… دقائق لا أكثر…”
وأستسلم.
(يمسك الريموت ويرفعه عاليًا، كمن يستسلم لنداء خارجي)
أشاهد الأخبار:
إسرائيل ضربت، إيران ردّت، العالم يترقب،
ترامب صعد إلى الطائرة، ترامب نزل من الطائرة،
ترامب صرّح، ترامب تراجع،
ترامب… ترامب… ترامب…
(يضحك بهستيريا، ثم يسكت فجأة، يتنفس بعمق)
ثم، لأبرر خيانتي لنفسي، أقلب القناة…
أذهب إلى الموسيقى، إلى الرقص،
أقنع نفسي أن الجمال يطهّرني من القبح،
أن الصوت واللحن دواء لهذا العالم المعتلّ.
(يتخيل الرقص، يدور حول نفسه ببطيء، يحرك شفتيه كما لو يغني، يرفع ذراعيه للحظة ثم يتوقف فجأة)
لكن في لحظة صدق…
أدركت أنني أكذب على نفسي.
أخدع نفسي كي لا أواجهها.
بكيت… نعم، بكيت من أعماقي.
كأن الدموع قالت لي: “أنت سجين، شئت أم أبيت.”
(يرمي الريموت بعيدًا، ينهار على الأرض، صامتًا)
(صوت خارجي خافت، كصدى: “من لم يسجن نفسه لله، سُجن بيد غيره…”)
(ينهض ببطء، يتجه إلى الجمهور، كأنّه يخاطب ضميره)
في الخارج سجنٌ حديدي…
حراس يعدّون أنفاسك،
أسلاك كهربائية،
زجاج مكسور فوق الأسوار…
إذا حاولت الهروب، عورك… دمّرك…
وإن نجوت جسديًا، تبقى الروح مُعذّبة.
لكن السجن الحقيقي…
هو حين لا تقدر على تقييد نفسك ساعة عن الرغبة.
هو حين تظن أن الحرية تعني أن تفعل ما تشاء، وقتما تشاء، بأيّ ثمن.
هو حين لا تملك من ذاتك شيئًا،
حين تكون أسير زرّ… أو شاشة… أو عادة.
(يمشي بخطى هادئة نحو الكرسي، يجلس، يهمس)
ذات يوم، قال لي شيخ:
“أعظم السجون، ذاك الذي تدخله بإرادتك…
تصوم فيه عن الشهوة، عن الغضب، عن الكذب…
تتطهّر فيه بالسكوت،
وتخرج منه، حرًّا حقيقيًا.”
(ينظر إلى الأعلى، كأنّه يتذكر شيئًا جميلاً)
هناك سجن من نور…
سجن لا تراه الأعين،
لكنه مريح… وهادئ… ومطمئن.
لا قيد فيه، إلا القيد الذي يُنقذك.
لا ألم فيه، إلا ألم الولادة من جديد.
(ينهض واقفًا، يفتح ذراعيه)
لو خُيّرت بين سجنين:
واحد فيه القيود من ذهب،
وآخر فيه الصلاة والصمت…
لخترت الثاني.
لأنه وحده، السجن الذي يقودك إلى الحرية.
حرية الروح… لا الجسد.
(يصمت للحظة، ثم يبتسم ابتسامة هادئة)
في النهاية…
رميت الريموت جانبًا،
أطفأت الشاشة،
وأغمضت عيني…
علّني أحلم بعالمٍ لا يفرض عليّ أحدٌ ما أراه،
بل أختار أنا… ما أسمعه… وما أؤمن به…
علّني أستيقظ في سجنٍ من نور،
ينبع من داخلي، لا يُصنع من خارج.
(يخفض رأسه، الستارة تنزل ببطء)