محسن مهدي.. أحد الأعلام العراقيين المنسيين

 

نادية هناوي

إن افتقارنا إلى ثقافة الأرشفة سبب مهم وأساس في نسيان كثير من الأسماء العلمية والفكرية والشخصيات الأدبية والفنية التي لها في العالم المعاصر أهمية ومكانة تستحق منا أن نحتفي بها ونفتخر بنسبتها إلينا. وكم في العربية اليوم من علماء مرموقين من ذوي العقول المميزة إبداعاً والمكانة الراقية؛ بيد أنّ أهل العربية يجهلونهم ويجهلون عطاءاتهم ولا يعرفون المنجزات القيّمة والمهمة التي حققوها من أجل الإنسانية جمعاء.

ولا عجب أن يكون في غياب مثل هذه التراجم المؤرشفة للمبدعين الحقيقيين فرصة لبعض وسائل الإعلام من تحقيق أغراضها المريبة في توجيه أنظار الجمهور نحو أسماء بعينها لكن مع تضخيم إنجازاتها، نافخة فيها نفخا يشعل الجمر حتى فيما ليس له أن يكون جمرا أصلا.

لتظل هذه الأسماء المضخمة المنفوخة هي وحدها في الساحة تُحمَّد وتُمجَّد، مروجة في أذهاننا أن لا إبداع ولا فكر ولا معرفة إلا عند هذه الأسماء وحدها وليس هناك سواها يسد فراغها؛ بل إن كل الذي بعدها مقطوع عنها لا نسل له حتى لا خير في عمل ولا أمل في عطاء وكل شيء عقيم بلا خلفاء والسلام.

إن وجود ثقافة التراجم هي الكفيلة بأن تقلب هذا الواقع رأسا على عقب، مؤكدة أن لدينا ما هو جدير بأن نتركه للأجيال من بعدنا.

ومما نمثل به على عطاءات عقولنا العربية التي طواها الطمر وأصابها النسيان بينما هي جديرة بكل احتفاء وتقدير عطاء العلاّمة العراقي محسن مهدي (1924 ــ 2007) الباحث والمفكر الفيلسوف والأكاديمي المرموق الذي عمل عقودا في دراسة الفلسفة الوسطوية العربية، والباحث المتمرس الذي عرفته أهم مراكز البحث العالمية والذي كرس حياته التي نافت على الثمانين في البحث عن المخطوطات وتحقيقها بدءا من اطروحته «فلسفة ابن خلدون التاريخية» عام 1954 إلى أن احتل كرسي دراسات اللغة العربية في جامعة هارفارد، وهو المحقق الجليل الذي حقق أكبر مصنفات أبي نصر الفارابي ومنها كتابه «الحروف» الذي يعد الأهم بين مصنفات الفارابي وأكثرها غناء للمهتمين بدراسة الفكر العربي عامة والفلسفة الإسلامية وفقه اللغة العربية خاصة، فضلا عن الإنجاز الكبير المتمثل بتحقيق نسخ مجهولة من ألف ليلة وليلة.

وقد مكّن تبحّر محسن مهدي في اللغة العربية وتخصصه الشامل في الفلسفة الإغريقية والإسلامية واليهودية فضلا عن طول باعه في التاريخ من أن يكون عالما كبيرا متخصصا في مناهج تحقيق النصوص التي بسببها حظي بصيت عالمي مرموق، ناله بصمت وتواضع كبيرين.

ولم يقتصر علمه على الفلسفة واللغة والتاريخ والتحقيق حسب؛ بل تعداها إلى الترجمة والتأويل الإسلاميين ليكون المتخصص رقم واحد عالميا في الفلسفة الإسلامية عامة وفلسفة المعلم الثاني خاصة وهو الذي اكتشف بعض كتب الفارابي ورسائله المجهولة وغير المعروفة في عالم الدرس الفلسفي الحديث والمعاصر.

هذا إلى جانب تبحّر العلامة محسن مهدي باللغة العربية كمناقشته لأصل مسميات الطبيعة والمطبوع والعقل والحكمة. وهو صاحب عقلية نقدية تتضح في تحقيقاته وتأويلاته ومنها تحليله لألف ليلة وليلة، وما اكتشفه في طريقة بنائها من وجود مؤلف ذي معرفة واسعة ودقيقة بأساليب الحكاية وأشكالها وضروب تراكيبها وخصائص كل صنف منها مما سماه (الحكاية التمثيلية).

 

قد يعجبك ايضا