نهاد الحديثي
تعد المذكرات واحدة من أنواع الكتابة التأريخية التي تعنى بوصف مجريات الأحداث وتفسيرها، من وجهة نظر الشخصية التي عاشت تلك الأحداث، أو حتى لتبرير الأخطاء التي وقعت فيها، وبيان المواقف والظروف التي أحاطت به، وبخاصة تلك التي لعب فيها كاتب المذكرات دورًا في الحياة السياسية، أو تلك التي عايشها، أو شهدها من قريب أو بعيد، ومن النادر أن يضع صاحب المذكرات في كتابه النصائح والمشورة للقراء؛ بل يسرد المجريات من وجهة نظره، فما يهمه تقديم نفسه وتبرير أخطائه بالدرجة الأولى ,, ظهرت كتابة المذكرات بعد الحرب العالمية الثانية بصورة خاصة، حينما قام عدد من القادة العسكريين ورؤساء الدول والوزارات بكتابة مذكراتهم، وتبوأت فرنسا مركز الصدارة في ذلك، حيث كتب شارل ديغول مذكراته، كما كتب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل، والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وكيسنجر مذاكرتهم ,, وعربيا مذكرات السادات والشادلي.
تشكل المذكرات والشهادات والسير الشخصية مصادر مهمة في كتابة التأريخ؛ لذا نجد أنّ مثل هذه الكتابات انتشرت في الغرب كثيرًا، إذ يكتب العديد من المسؤولين مذكراتهم، بعد تركهم لمناصبهم، وتلقى إقبالا كبيرًا، لما تحمله في طياتها من معلومات تاريخية؛ ويُطبَع منها ملايين النسخ لكنها تنفد ,, كما تمتاز المذكّرات والسير الذاتيّة بأنّها تتيح للقارئ التعرّف على حكاياتٍ واقعيّةٍ لم تر من قبل، يكتشف من خلالها الشخصيّة الحقيقيّة لكاتبها، إن كان أديبًا أو سياسيًا أو غير ذلك، ولعلّ أبرز تلك المذكّرات هي تلك التي تخرج عن سياسيين أو رجال دولة، إذ أنّها لا تكتفي بالحديث عن حياتهم الشخصيّة فحسب، إنّما الحديث أيضًا عن الكثير من الأمور التي تظلّ سريًّة داخل الدولة، أو تكون على العكس مما يروج عادة.
وشهدت الفترة الماضية إعلان عدد من السياسيين وزعماء الأحزاب العراقية ، عن صدور مذكراتهم التي تمحور أغلبها حول تجربة ما بعد فترة غزو العراق، وتأسيس النظام الجديد وما رافقه من مشكلات ما زالت البلاد تعيشه ,واثارت تلك المذكرات والسير الذاتية التي أصدرها عدد من السياسيين العراقيين، نقاشا حول أسباب كتابة تجربة ما بعد عام 2003، وما إذا كانت تلك المذكرات تتسم بالدقة والموضوعية، أم أنها لتبرير الأخطاء وإلقاء اللوم على الآخر فيما آلت إليه أوضاع في بلاد الرافدين.
ومن أبرز الشخصيات السياسية التي كتبت مذكراتها: رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، الذي أصدر 3 أجزاء من مذكراته “بين النيران”، تحدث فيها عن تجاربه وتنقله بين البعثيين والمعارضين، وعمله مع الشيوعيين والإسلاميين ,, كما أصدر رئيس الجمهورية السابق فؤاد معصوم مذكراته بعنوان “السنوات الأربع في قصر السلام”، تحدث فيها عن فترة توليه منصب رئاسة الجمهورية، وما رافقها من كواليس تشكيل حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وكذلك تنصب رئيس الجمهورية بعده، والترشيحات التي قُدمت آنذاك، وآلية حسم الأمور, ومن السياسيين الآخرين، كتب زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم كتابا بعنوان “رحلة وطن”، أكد فيه على أهمية الانتماء للعراق فقط دون الانحياز إلى أحد، أو الانضواء تحت سياسة المحاور,, كما أصدر رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري كتابا بعنوان “حكاية السيرة والمسيرة”، تناول فيه محطات عاصرها وكذلك فترة توليه منصب رئاسة مجلس النواب.و أنتج وزير النفط الأسبق حسين الشهرستاني كتابا بعنوان “تجربة حياة”، وكذلك وزير الداخلية والمالية الأسبق باقر الزبيدي أصدر كتابا حمل عنوان “تجربتي”.
ورأى كتّاب ومحللون عراقيون أن تلك المذكرات والمدونات لم تكن بالمستوى المطلوب، حيث أخفت الكثير من الحقائق ورمت الكرة في ملعب الآخرين دون نقد للذات والقرارات المتخذة بما يفسح المجال أمام الأجيال المقبلة للاستفادة منها وعدم تكرار الأخطاء، خاصة أن بعضها طغت عليه صبغة التحلل من الكوارث التي شهدتها البلاد ,, والنخبة السياسية في العراق لا تزال تعاني مأزق الانفصال عن الواقع، “وفي الحقيقة هناك نكبة كبيرة في الشارع جراء هذه النخبة السياسية التي جاءت بعد عام 2003، لذلك فإن تلك المذكرات لا تعكس كامل الحقيقة لهذه المرحلة من تاريخ العراق , فالطبقة السياسية هي خراب العراق , ولا تزال في هذا المضمار، وتقدم نفسها على أنها قدّمت وأنجزت، لافتا إلى أن التاريخ هو الذي سيحسم الحقيقة بشأن المرحلة التي مر بها العراق بعد عام 2003.
وفتحت تلك المذكرات نقاشات حادة لجهتين: الأولى المعلومات التي ذكرتها وما إذا كانت ثمينة أو مرتبطة بأحداث كبيرة تعد جزءا من تاريخ العراق، والثانية ما إذا كان لتلك الشخصيات دور كبير في هذه التطورات، باعتبارهم يقودون دفة مسيرة البلاد ويؤثرون على مجريات الأمور فيها , وربط آخرون مذكرات السياسيين العراقيين، بمذكرات شخصيات نادرة أو مؤثرة لم تكتب مذكراتها لأسباب مختلفة
وما فاقم النقمة على الكثير من السياسيين العراقيين، واقع البلاد والكوارث التي تعيشها على المستويات الاقتصادية والخدمية والتعليمية وغياب الاستقرار السياسي وتبعثر جوامع القرار الوطني، مما يجعل نظرة المواطنين إلى أية أحاديث سياسية، سواء مرئية أو مكتوبة، على أنها خارج الزمن، وتنطلق من رؤية مغايرة تماماً عن الواقع الذي يعيشونه.
المؤرخ العراقي الدكتور علي النشمي يرى أن ما يكتبه السياسيون العراقيون ليست مذكرات، إذ ليس لها أي عمق وأصل تاريخي، لأنها مجرد شعارات وإعلانات سياسية، “كون هؤلاء الذين بدؤوا بالكتابة كانوا جزءا من مرحلة سيئة، وساهموا بشكل فاعل ومؤثر في خلق هذه الفتن , ووصفها انها نشرات تجميلية، تحاول التكتم على الأخطاء، دون وجود عمق لها , ويؤكد اخرون ان السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية يجب أن تتسم بالجرأة والصراحة، وفي حال غياب ذلك، فإنها لا قيمة لها، والسؤال الأهم: هل يستطيع السياسي العراقي الاعتراف بفشله؟ وأي مدونة شخصية أو مذكرات خالية من هذين الشرطين (الجرأة والعمق)، فإنها فاشلة ولا تستحق القراءة , وقالوا أن هناك جيلا سياسيا جديدا بدأ بالظهور، من خلال ثورة تشرين، وسيكون قادرا على عدم الاستفادة من الجيل السياسي الحالي، ولا من تجربته، ولا مذكراته، ولا أفعاله.
وتطرح مسألة كتابة التاريخ العديد من التساؤلات والإشكالات في العالم العربي، خاصة مع وجود مدونات انحرفت عن الدقة والموضوعية، تحت ضغط القومية أو المذهبية والطائفية أو غيرها، التاريخ يكتبه المؤرخون لا السياسيون، معتبرا أن “هناك وجها آخر لحقيقة هذه المذكرات، وهناك كتّاب كثيرون كتبوا عن هذه المرحلة وتلك الطبقة، ثم إن التاريخ يكتبه المؤرخون، وربما إذا جاءت طبقة سياسية أخرى فستكتب عن هذه المرحلة بشكل سيئ، وتصفها بأوصاف أخرى، فكل نظام يلعن ماقبله.