اعداد:ماهين شيخاني
كنا نسمع من خلال الكتب والمطالعة وبالأخص في تلك المرحلة التي توسعت رقعة الإمبراطورية العثمانية بكلمة الارتزاق والمرتزقين والجيش الانكشاري …الخ .
اختلفت الأساليب والأدوات المستخدمة في الحروب على مر العصور، فمنها ما بَطُل ولم يعد يستخدم، ومنها ما تطور ومنها ما بقي قائمًا حتى هذه اللحظة بنفس معناه وتعريفه الاصطلاحي، كـ”المرتزقة”، وهم جنود مستأجرون ليحاربوا من أجل دولة أخرى غير دولهم، بهدف تلبية مصالحهم الخاصة بهم، بمقابل مادي، بغض النظر عن المصالح السياسية أو الإنسانية أو الأخلاقية.
“المرتزق” وصفٌ يُطلق غالبًا على مَن يُقاتلُ لصالح بلدٍ أجنبي مقابل المال. أو كل شخص ليس من رعايا طرف في النزاع، ولا متوطّنًا بإقليمٍ يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. يَعتقدُ البعض أنَّ استخدام المرتزقة ظاهرة حديثة، وهذا غير صحيح. فقد استخدمهم كثير من الحكام في الأزمنة القديمة، لحماية عروشهم ومناطق سيطرتهم، نظرًا لكونهم جنودًا محترفين ومدرَّبين بشكلٍ عال. إليكم أبرز وأشد وحدات المرتزقة التي لعبت دورًا كبيرًا عبر التاريخ:
الجيش الأسود:
أسَّسهُ الملك المجري “ماتياس كورفينوس” في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. ضم هذا الجيش نحو 30 ألف مرتزق من أعتى مقاتلي أوروبا المنحدرين من ألمانيا وبولندا وبوهيميا وصربيا وهنغاريا. عُرفوا لاحقاً باسم “الجيش الأسود”، وذاع صيتهم في أوروبا الوسطى والبلقان. عمل الملك “ماتياس” إلى تنظيم هؤلاء المرتزقة في جيش يتكون من خليط من المشاة الخفيفة التي تؤدي مهامها حول المشاة المدرعة أو الثقيلة، وكان مدعومًا بفرسان مدرعين ومدججين بالسلاح.
الحرس التركي:
في القرن التاسع ميلادي، قام الخليفة العباسي “المعتصم” بتكوين جيش خاص به، جنوده من المرتزقة السلاجقة والعبيد، ثم حولهم إلى ما عُرف بـ”الحرس التركي”، الذي ساعده على تأمين الخلافة لنفسه. غير أن هؤلاء المرتزقة انخرطوا لاحقًا في أعمال نهب وسلب – كما يحصل الأن في سوريا – جعلت سمعتهم تسوء كثيراً بين المسلمين. ازدادت سطوتهم ليس على الناس فحسب، وإنما على الخلفاء العباسيين أنفسهم والذين فقدوا السيطرة عليهم. وبلغت الأمور ذروتها عندما اشتركوا في قتل الخليفة المتوكل بالله. ولم تُحل مشكلتهم إلا في سنة 1258 عندما غزا المغول بغداد.
الجيش الذي لا يقهر:
الصورة الشائعة عن سويسرا هي أنها بلدٌ محايد لا يشترك في الحروب، غير أنها لم تكن كذلك دائمًا، فالجنود السويسريون كانوا من أقوى جنود المشاة في أوروبا قديمًا، وعُرفوا بخدمتهم في الجيوش الأجنبية
تأسس هذا الجيش المرتزق في سنة 1860 على يد الأمريكي (فريديريك تاونسند وارد)، الذي استأجره أغنياء مدينة (شنغهاي)، لحماية المدينة وردع الخطر المحدق بها، خلال الحرب الأهلية الصينية التي بدأت سنة 1851، والتي اعتُبرت الأكثر دموية في التاريخ إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية. نجح (وارد) وقوة مرتزقته البالغ عددها 5 آلاف رجل، والتي عُرفت باسم “الجيش الذي لا يقهر” في قلب طاولة الحرب على “التايبينغ” وسحق ثورتهم.
الحرس الفارانجي:
مثَّلت هذه القوة المرتزقة نخبة المقاتلين في الجيش البيزنطي بين القرنين العاشر والرابع عشر. وكانوا الحرّاس الشخصيين للأباطرة البيزنطيين. وقد تلقى أفرادها أجورًا أعلى من نظرائهم البقية في الجيش. كما كانوا يُمنحون امتيازات عدة، منها تحصيل الغنائم الأولى بعد النصر في المعارك. ولكونهم القوة الأساسية في القصر الإمبراطوري فقد كان من ضمن امتيازاتهم سلب ممتلكات الإمبراطور ونهبها بمجرد وفاة هذا الأخير.
المرتزقة السويسريون:
الصورة الشائعة عن سويسرا هي أنها بلدٌ محايد لا يشترك في الحروب، غير أنها لم تكن كذلك دائمًا، فالجنود السويسريون كانوا من أقوى جنود المشاة في أوروبا قديمًا، وعُرفوا بخدمتهم في الجيوش الأجنبية، سيما جيوش ملوك فرنسا خلال الفترة الحديثة المبكرة من التاريخ الأوروبي من العصور الوسطى وحتى عصر التنوير الأوروبي. ظلّ “المرتزقة السويسريون” أسيادًا للمعارك والحروب لقرون عديدة. كان مجرد وجودهم في المعركة يرعب أعداءهم، ويقوِّض معنوياتهم. وكانت خدمتهم كمرتزقة في أوجها خلال عصر النهضة، نظرًا لقدراتهم الكبيرة في ساحة المعركة، والتي جعلت منهم مرغوبين كقوات مرتزقة.
الإوزات الإيرلندية البرية:
تأسَّست هذه القوة سنة 1691 في فرنسا. عناصرها كانوا من الإيرلنديين الذين طردهم الملك الإنجليزي (ويليام الثالث) نحو فرنسا، فيما عُرف آنذاك بـ”هجرة الإوز البري”. خدموا على شكل مرتزقة لصالح الفرنسيين. لاحقًا أُطلق عليهم اسم “اللواء الإيرلندي”، وتم إدراجهم في الجيش الفرنسي..
السرية البيضاء:
برزت هذه القوة في القرن الرابع عشر بإيطاليا، وأثبتت نجاعتها في حرب المائة عام ضد فرنسا. تكتيكاتها العسكرية، ونظامها الصارم، وجنودها الذين اشتهروا بخفة حركتهم وسرعتهم في أرض المعركة، جعلت الطلب على خدماتها مرتفعًا جدًا آنذاك. وبالرغم من انخفاض حظوظ المرتزقة مع نهضة الجيوش الوطنية مطلع القرن الثامن عشر، إلا أنهم استمروا في ملء فراغ لطالما برعوا في ملئه منذ القِدَم. وحتى يومنا هذا.
وخلال العقدين الماضيين شهد سوق المرتزقة انتعاشًا كبيرًا، بسبب الصراعات والحروب التي عصفت بالمنطقة العربية، فباتت شركات المرتزقة متواجدةً في معظم بلدانها، أبرزها شركة “بلاك ووتر” سيئة الصيت.
وقد ورد تعريف المرتزقة في الملحق الأول الإضافي “المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة” إلى اتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949، وهي أول اتفاقية دولية تتناول بالتحديد موضوع المرتزقة، بأن “المرتزق” هو أي شخص يجرى تجنيده خصيصًا – محليًا أو في الخارج – ليقاتل في نزاع مسلح أو يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية.
في ديسمبر عام 1989، اعتمدت الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، حيث اعتبرت أن كل مرتزق وكل من يجند أو يستخدم أو يمول المرتزقة مجرم، كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، إذ لا يتمتع المرتزق بوضع المقاتل أو أسير الحرب.
وقد عرف التاريخ ظهور المرتزقة بشكل موثق في مصر القديمة تقريبًا عام 2500 ق.م، وذلك عندما تم اكتشاف “رسائل العمارنة” وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الرُقم الطينية المكتوبة باللغة الأكادية “البابلية” والخط المسماري التي وجدت في أرشيف قصر الملك المصري إخناتون (أمنحوتب الرابع) في مقر حكمه (أخت أتون) تل العمارنة في مصر.
أطلق المصريون القدماء على مجموعة المرتزقة في ذلك الزمان اسم “Apiru” أو “Habiru” “هابيرو” باللغة الأكادية، الذين تم وصفهم على أنهم مجموعة من الآسيويين يتجولون في بلاد الشام بحثًا عن الرزق في أي مصلحة كانت.
الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم
إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية ،إذ تعيد تأكيد المقاصد والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وفي إعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وإذ تدرك انه يجري تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم للقيام بأنشطة تنتهك مبادئ القانون الدولي مثل المساواة في السيادة والاستقلال السياسي والسلامة الاقليمية للدول وحق الشعوب في تقرير المصير، وإذ تؤكد ان تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم ينبغي ان يعتبر جرائم موضع قلق بالغ لجميع الدول، وان أي شخص يرتكب ايّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم، واقتناعاً منها بضرورة تنمية وتعزيَز التعاون الدولي فيما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائياً والمعاقبة عليها، وإذ تعرب عن القلق لظهور أنشطة دولية جديدة غير مشروعة تشير الى اشتراك تجار المخدرات والمرتزقة في ارتكاب أعمال عنف تقوِض النظام الدستوري للدول، واقتناعاً منها أيضا بأن من شأن اعتماد اتفاقية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم أن يساهم مساهمة كبيرة في التخلص من هذه الأنشطة الشنعاء، ومن ثم في مراعاة المقاصد والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وإذ تدرك أن المسائل التي لا تنظمها هذه الاتفاقية تظل تحكمها قواعد ومبادئ القانون الدولي، وقد اتفقت على ( 21 ) مادة لأغراض تطبيق هذه الاتفاقية .
ويودع أصل هذه الاتفاقية ، الذي تتساوى نصوصه الإسبانية والانجليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية في الحجية، لدى الأمين العام للأمم المتحدة الذي يرسل منه نسخاً مصدقة إلى جميع الدول.
وإثباتاً لذلك، قام الموقعون أدناه، المفوضون بذلك حسب الأصول، كل من حكومته، بتوقيع هذه الاتفاقية.