د. توفيق التونجي
شهر أذار من الأشهر التاريخية في حياة الشعب الكوردي وكوردستان ففيها الفرح، والحزب، والانتصارات، والماسي. ما ارويه لكم من ذكريات بين الحين والآخر هي عصارة سفر استمر اكثر من نصف قرن من الزمان. ربما حدث كذلك للعديدين أمثالي نفس ما أصابني في سفرتي هذه. طبعا لست وحيدا في القائمة التي أصدرها مجلس قيادة الثورة المنحل عام 1974 بحق 90 من الطلبة اللذين كانوا يواصلون دراستهم في خارج العراق. قرار مجحف بحقهم جميعا وحق ذويهم وذلك بغلق ملفاتهم الدراسة في دائرة البعثات) الملف الدراسي كان ضروريا لأرسال المبالغ الشهرية من قبل الأهل لأبنائهم في الخارج( هؤلاء كلهم كانوا من طلاب اللذين يدرسون في الجامعة وعلى النفقة الخاصة اي يتكفل اهلهم بمصاريفهم الدراسية. التهمة الرسمية الموجه لهم كانت:
“متعاون مع الجيب العميل”
بناء على تقارير المخبرين من زملائهم من الطلبة اي رفاقهم في الدراسة.
قارئي الكريم قبل نصف قرن كانت صفة الجيب العميل ينعت بها كل من اشبه في تعاونه مع الحركة الكوردية من قبل الحكومة البعثية أي مؤيدي الثورة التي قادها قائد الشعب الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني رحمة الله عليه ورضوانه. المتعاونين كل من ايد تلك الحركة التحررية والتي انفجرت مرة أخرى في اذار 1965) هناك من لا يصف تلك الحركة بالتحررية. (تسعة من الأسماء تلك القائمة كانت من نصيب الطلاب الدارسون في الجمهورية التركية وكنت بطبيعة الحال واخي المرحوم المهندس من ضمن الاسماء في تلك القائمة السوداء . اخي الذي وافاه المنية مع أخرين من رفاقي ممن كانوا في تلك القائمة رحمة الله على ارواحهم. البقية القليلة منهم لا زلت في اتصال معهم.
لا زلنا حين نتحدث لا نعرف هوية ذلك المخبر المجهول الذي كتب تقريره الأصفر وحصل على ” عفية وربما تم ترفيعه من مؤيد الى نصير.
اريد ان اذكر للقارى الكريم كذلك بان الفاعل اي الواشي المخبر لا يزال قيد المجهول حتى بعد سقوط النظام. بهذه المناسبة قبل سنوات زرت انقرة بمناسبة مرور أربعين عاما على دراستي هناك كي استعيد بعض الذكريات. اتصلت بصديق عراقي ذو منصب رسمي كي استعلم منه ما حصل ولم احصل على اي معلومات لان جميع الملفات الأمنية قرر عدم فتحها وكما قال الزعيم يوما ما “عفا الله عما سلف”. وطويت انا كذلك الملف وقيدت الحادثة ضد مجهول. ليس مهم اليوم بعد مرور خمسون عاما على تلك الأيام كل تلك السنوات الاتي فقدناها من عمرنا. الفاعل الذي بعمله اجبر العديدون ممن درسوا في الخارج ان يقرروا بعدم العودة نهائيا الى وطنهم الام. ربما يهمس احدهم قائلا:
رب ضارة، نافعة.
المهم قارئي الكريم صيف ذلك العام حين وصلت المرحومة والدتي مع أخواني الصغار الى انقرة كي تراني بعد ان زاد الشوق بهم لرؤيتي ولمعرفتهم بعدم السماح لي بالعودة الى الوطن. أثناء سفر العودة الى العراق قررت الوالدة ان تأخذني معها في رحلة عودتها مهما كانت النتائج رغم كل التحذيرات. بمعية المرحومة والدتي قطعنا الطريق من العاصمة انقره برا وبعد عناء طويل وصلنا في اليوم التالي تلى مدينة “جزره” الحدودية. قالو لها بان هناك قانون للعفو يسمى ( العائدون للصف الوطني رقم ٥٢ او ٥١) سن بعد انهيار الحركة الكوردية على اثر اتفاقية الجزائر المشئوم سنة ١٩٧٥. كنت انذاك مريضا واعاني من الآلام الحصى في الكلية اليسرى. وكانت رحلة شاقة قضينا ليلة في بيت احد الأصدقاء في مدينة جزيرة ابن عمر على الحدود العراقية التركية. وصلناها صيف ١٩٧٦ متأخرين للمدينة كنت كما اسلفت مريضا جدا ولم يبق لتخرجي من الجامعة الا سنة واحدة. مدينة الجزيرة التركية الحدودية مدينة تاريخية تعود إنشائها ابان بزوغ الحضارات القديمة التي أنشأت على دجلة في كوردستان وتسمى “جزيرة ابن عمر” ومعظم سكانها من الكورد وبعض السريان وقصدنا توا بيت احد الأصدقاء. هؤلاء ممن كنت ادرس معهم في الجامعة في العاصمة أنقرة. وكان جارا لي توفى في عمر مبكر رحمة الله عليهم رضوانه.
حال وصولنا الى بيت ذلك الكريم استدعى طبيبا جاء مهرولا وبسرعة ومسرعا حاملا حقيبته الجلدية وبدانا بالحديث والسؤال عن ما أعاني وهو يحضر الحقنة الزجاجية التي وضعها في علبة معدنية صغيرة فيها ماء ووضعها على المدفئة وبعد قليل نلت زرق ابرة تخدر كل أوصالي ونمت الى الى اليوم التالي .
كانت اتفاقية جزائر قد وقعت كما ذكرت في شهر آذار من ذلك العام بين إيران والعراق في الجزائر وبذلك خسرت الحركة الكوردية المسلحة ظهيرها الوحيد في مواجهة الحكومة البعثية لكن الناس كانوا لا يزالون يتحدثون عن ما سمي ب الهزيمة وترك السلاح واللجوء الى إيران بخجل فقلت مازحا؛ أني و ربما عائد الى الموت يوم غد
واضفت ضاحكا:
لكن والدتي وعدتني بانها ستأخذني سالما الى بيتنا في بغداد وانا رضيت بالعودة و الرضوخ بالأمر الواقع.
حدثني مضيفي المحامي بان بيتهم بناه بناء تركماني من كركوك على طراز البيوت في محلة القلعة في كركوك وبما انهم من علية القوم وبيت الباشا الذي شاء الدهر أن تكون سوريا من نصيبه بعد رسم الحدود بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية راضيا بالأمر الواقع. كان البناء من الحجر ومحكما يتوسطه
باحة كبيرة. أما ازقة المدينة القديمة فقد كانت تشبه مثيلاتها من الأزقة الضيقة في قلعة كركوك تمر من وسطها ساقية ماء.
جزيرة ابن عمر مدينة في هذا المثلث الحدودي حيث يتوزع الأقرباء بين ثلاث دول سوريا تركيا والعراق. الحدود الملغومة وحكايات مهربي الأغنام ومأساتهم وكيف يتركون الإبل تنطلق حرة تعبر الحدود الى سوريا وينال الألغام نصيبه في فتك الكثير من الأغنام وينجوا من ينجوا ليستقبله مهربون على الطرف السوري من الحدود.
ونحن نغادر الجزيرة صباح باكر باتجاه المعبر الحدودي المسمى ب معبر ابراهيم الخليل في الصباح الباكر بدا لي نسيم الصباح يحمل عبق أريج زهور وديان الوطن فارتخيت واضعا راسي على صدر والدتي بعد ان عبرنا جسر الخليل ذهبت الوالدة بجوازاتنا كي يسمحوا لنا بالدخول الى الوطن (العراق). والدتي تتحدث اللغة العربية بطلاقة وهي لغة والدتها وجدتها. طبعا قالوا لها بانهم يحب ان يقبضوا علي وارسل الى السجن مغفورا لرود اسمي في الدفاتر الصفراء لغير المرغوب بهم وعليهم منع لدخول العراق. بدأت والدتي بالحوار معهم والتوسل اليهم حتى وافق الضابط على اطلاق سبيلي وأرسال احد رجال الأمن معنا الى بغداد. طبعا وصلنا العاصمة ليلا وتوجهنا الى بيتنا في الكرادة حيث ان رجل الامن الشاب اكتفى بمعرفة العنوان قائلا بانهم سيتصلون بي. ذكر كذلك بان هناك عفوا عاما ولا يجب ان أخالف والقانون المسماة آنذاك: العائدون الى الصف الوطني رقم ٥١.
في ذلك المساء زارنا الدكتور حسين كمال الى البيت لمعاينتي وكان صديقا لوالدي رحمة الله عليه ورضوانه وجارا له في محله وفي نفس البناية التي تقع فيه عيادته الطبية في شارع الرشيد قرب المنطقة التي حاول فيها البعثيون اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم والتي سميت باسم احد أعضاء العصابة الذي قتل في مكان الحادث واعني عبد الوهاب الغريري. تلك الأيام لا يمكن نسيانها بعد ان عالجني الدكتور كمال حسين لمدة أسبوع عاودت مراجعة دائرة البعثات لأجراء معاملة العودة. اول ما صادفني هو كتابة بالخط الأحمر على غلاف الملف الأسمر؛
“متعاون مع الجيب العميل”.
الأيام التالية او بالأحرى الأشهر كانت مخيفة وتأخري من الدوام حيث بدا العام الدراسي الجديد كان ممكنا ان يؤخر تخرجي. كان الوالد رحمه الله يدق الأبواب بابا بعد باب ومن كل مسؤول ياتية إجابة سلبية وانتظار. اخيرا بعد شهرين افرج عني وعن ملفي بتعهد عدم خوض معترك السياسة مرة اخرى.
الذي وددت اليوم لو كان الهاتف اي الهاتف الخلوي آنذاك بمعيتي كي أصور غلافه الأسمر من قبل التوثيق ذلك التاريخ. هذا الملف بقى في أرشيف لحد اليوم وربما يقرء مسؤول هذه الأسطر ويبحث في أرشيف دائرة البعثات وينصف هؤلاء حتى بعد مرور خمسون عاما واما بالنسبة لي فقد استمر مأساتي لاحقا ورافقني صفة “متعاون مع الجيب العميل”. الى يوم أكملت دراسة الدكتوراه ولتلك الأيام رواية وحديث اخر.
تخرجت وعدت الى الوطن لأساق الى الخدمة الإلزامية وتليه خدمة الاحتياط ولم استفد من قرار العفو لأني عدت ولم أكون متخلفا من الخدمة العسكرية حتى يوما واحدا. التخلف من الخدمة كان آنذاك وللمفارقة سيعطيني الحق للإعفاء من إداء الخدمة العسكرية وتلك رواية اخرى تأتي تباعا بعد حين.
سلاما أيها الوطن، ولو من بعيد.
وسلاما نسيم الجزيرة وأهلها الطيبين.
الأندلس