يوم الشهيد الفيلي .. شهداء بلا شواهد

صبحي مندلاوي

في مثل هذا اليوم، طوى الليل آلافًا من شباب الكورد الفيليين، ولم يطلع عليهم فجرٌ بعدها. كان ذلك حين وقفوا أمام أبواب بيوتهم، أو في طرقات أحيائهم، أو في مداخل الأسواق، لا يعلمون أن آخر نظرة لهم إلى السماء ستكون قبل أن تسحبهم قبضة الظلم إلى المجهول، في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحقهم في تاريخ العراق الحديث.

حينما قامت السلطات البعثية في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات بتهجيرهم قسرًا إلى إيران، بعد أن جرّدتهم من جنسيتهم العراقية، اختطف في الوقت نفسه عشرات الآلاف من شبابهم، ليختفوا في غياهب السجون والمعتقلات دون أثر، فيما تُركت عائلاتهم تعاني التهجير والفقد والحرمان.

لم تكن جريمة التهجير والتغييب القسري مجرد قرار سياسي عابر، بل كانت إبادة منظمة استهدفت شريحة أصيلة من المجتمع الكوردي والعراقي تحت ذرائع واهية. تم اقتياد الشباب الفيليين إلى أماكن مجهولة، حيث لم يُعرف مصيرهم حتى يومنا هذا.

تحولوا من شباب يملأون الدنيا بحلم الغد إلى أسماء غابت في سجلات الموت الجماعي. لم يطرقوا بابًا ولم يودعوا أمهاتهم، بل غُيبوا عنوة، تاركين وراءهم نساءً عجائزَ افترشن الطرقات، وعيونًا احترقت من طول الانتظار، وأحلامًا سرقها الجلادون دون أن يطرف لهم جفن.

لم تكن جريمتهم سوى أنهم كورد، حدّ النخاع، وقفوا في أرضهم كما وقف آباؤهم وأجدادهم من قبلهم. لكن ذلك لم يشفع لهم، فخُتمت ملفاتهم بكلمة “إعدام” قبل أن تُكتب حتى أسماؤهم. لم يمنحهم الطغاة حتى شرف أن يُقال عنهم “مفقودون”، بل تركوهم للتراب دون شاهد، وللأمهات دون عزاء، وللأوطان التي لم تنصفهم حتى بعد سقوط الجلادين.

إن ذكرى شهداء الكورد الفيليين ليست مجرد مناسبة للحزن والأسى، بل هي محطة للتأكيد على ضرورة تحقيق العدالة وكشف الحقيقة الكاملة عن مصير الآلاف ممن غُيِّبوا قسرًا. إنصاف الكورد الفيليين ليس مِنّة أو مجاملة، بل هو واجب على الدولة العراقية والمؤسسات الحقوقية، فالجريمة التي استهدفتهم لم تكن فردية، بل كانت تطهيرًا عرقيًا بكل ما تعنيه الكلمة.

في هذا اليوم، نقف إجلالًا لأرواحهم ونجدد العهد على إبقاء قضيتهم حيّة في الضمير الكوردي والعراقي، حتى يأخذ العدل مجراه، ويُعترف رسميًا بالمظلومية التي تعرضوا لها، ليكون ذلك جزءًا من بناء عراق عادل يحترم تنوعه ولا يكرر أخطاء الماضي.

تكريمهم ليس أن نبكي عليهم، بل أن نحفر أسماءهم في ذاكرة كوردستان، في ذاكرة العراق، في ذاكرة التاريخ، ليبقى السؤال الذي لم يُجب عليه أحد: بأي ذنب قُتلوا؟

قد يعجبك ايضا