حسو هورمي
تُعد انتهاكات تنظيم داعش ضد المرأة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، حيث حوَّل العنف الجنسي إلى سلاح منهجي لتحقيق أهدافه التخويفية والإرهابية. ولم تقتصر هذه الممارسات على نساء سوريا والعراق، بل امتدت إلى ليبيا وغيرها من المناطق التي سيطر عليها التنظيم، مما أدى إلى تدمير حياة آلاف النساء وتمزيق النسيج الاجتماعي عبر التهجير القسري، والاستعباد الجنسي، وتفكيك العائلات.
في الحروب والصراعات، تتحول المرأة غالبًا إلى “الحلقة الأضعف” والأكثر عرضةً للاستهداف، إذ يُستخدم جسدها كساحة معركة لإذلال الخصوم وإرهاب المجتمعات. ويُعتبر الاغتصاب والعنف الجنسي من أقدم أسلحة الحرب الصامتة، حيث تُوظَّف هذه الانتهاكات ليس فقط كأداة قمع فردي، بل كاستراتيجية ممنهجة لتحطيم الروح الجماعية وإفراغ الأرض من سكانها.
الاستجابة الدولية: بين التشريعات والتحديات
أدركت المنظمات الدولية خطورة العنف الجنسي في النزاعات، ففي عام 1994، عيَّنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة “مقررًا خاصًا معنيًا بالعنف ضد المرأة”، كما أنشأت منصب “الممثل الخاص للأمين العام المعني بالعنف الجنسي في حالات النزاع” لمتابعة هذه الجرائم وتقديم التوصيات. وتشمل ولاية هذه الآليات:
جمع المعلومات من الحكومات والمنظمات غير الحكومية.
تلقي شكاوى الضحايا، خاصةً في مناطق الصراع التي تنتشر فيها الميليشيات والتنظيمات الإرهابية.
الضغط على الدول لتجريم هذه الممارسات في قوانينها المحلية.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعةً بين النصوص القانونية والتطبيق على الأرض. فبالرغم من اعتبار العنف الجنسي انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني – سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية – إلا أن الإفلات من العقاب يظل سائدًا بسبب عوامل مثل:
صعوبة توثيق الجرائم في مناطق الحرب.
الخوف من الوصمة الاجتماعية الذي يمنع الناجيات من الإبلاغ.
تقاعس بعض الحكومات عن ملاحقة الجناة، خاصةً عندما يكونون جزءًا من فصائل مسلحة مؤثرة.
الحلول المطلوبة: يتحتم على المجتمع الدولي والدول تكريس آليات الحماية والمحاسبة عبر ما يلي:
تعزيز الآليات القانونية: تعديل التشريعات الوطنية لتتوافق مع المواثيق الدولية، مثل قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والأمن والسلام.
حماية الناجيات: توفير ملاذات آمنة ودعم نفسي وقانوني، مع ضمان السرية لتفادي انتقام الجناة.
محاسبة الجناة: استخدام آليات مثل المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة التنظيمات الإرهابية على جرائم العنف الجنسي.
التوعية المجتمعية: كسر حاجز الصمت حول هذه الجرائم عبر حملات تثقيفية، وإشراك الرجال والزعماء الدينيين في جهود مناهضة العنف.
أهمية توثيق شهادات الناجيات
يُعد توثيق قصص الناجيات من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتدوين شهاداتهن حول جرائم الاسترقاق، الاغتصاب الممنهج، والعنف الجنسي أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط كأداة قانونية لمحاسبة الجناة، بل أيضًا كوثيقة تاريخية وإنسانية تكشف حجم المأساة التي تعرضت لها النساء في المناطق التي سيطر عليها التنظيم. هذا التوثيق يُسهم في تحقيق عدة أهداف جوهرية، منها:
1. الأهمية القانونية: بناء ملفات قضائية متكاملة
يعد توثيق شهادات الناجيات خطوة أساسية لضمان قبولها كأدلة قانونية في المحاكم المحلية والدولية، مما يسهم في:
إثبات الجرائم: يشكل التوثيق دليلًا قانونيًا حاسمًا على الجرائم المرتكبة، بما في ذلك الإبادة الجماعية، الاغتصاب، الاتجار بالبشر، والجرائم ضد الإنسانية.
الملاحقات القضائية: تُستخدم هذه الشهادات في المحاكم الوطنية والدولية لمقاضاة مرتكبي الجرائم، مثل المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم جرائم الحرب.
حفظ الحقوق: يضمن التوثيق حق الناجيات في العدالة والتعويض عن الأضرار النفسية والجسدية التي تعرضن لها.
لا بد أن تتوفر في هذه الملفات القضائية عناصر أساسية، مثل:
الوضوح والدقة: وصف الوقائع بتفصيل زمني ومكاني دون تعميم.
التسلسل المنطقي: رواية الأحداث بترتيب زمني واضح، مع ربطها بالسياق العام للجريمة (مثل عمليات الاختطاف، التوزيع في “سوق النخاسة”، أو نقل الضحايا بين المناطق).
التفاصيل الاستدلالية، مثل:
المكان: أسماء القرى، المدن، أو المعسكرات التي وقعت فيها الجرائم (مثل الموصل، الرقة، سنجار).
هوية الجناة: أسماء مقاتلي داعش، رتبهم، جنسياتهم، أو أي علامات مميزة (ندوب، لهجات، إلخ).
التواريخ: توثيق أيام الاختطاف، فترات الاستعباد، أو تحرير المعتقلات.
الأرقام: عدد الضحايا في كل حادثة، عدد الجناة، وغيرها من التفاصيل الكمية.
هذه العناصر تُساعد في تحويل الشهادات إلى ملفات قضائية متكاملة يمكن رفعها إلى المحاكم المحلية أو الدولية (مثل المحكمة الجنائية الدولية)، أو استخدامها في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.
2. الأبعاد الاجتماعية والنفسية: كسر حاجز الصمت وبناء مسارات الشفاء
يواجه الناجيات من العنف الجنسي تحديًا مزدوجًا يترواح بين آثار الصدمة النفسية ووصمة العار المجتمعية التي غالبًا ما تدفعهن إلى إخفاء تجاربهن، إلا أن توثيق شهاداتهن يُمثل أداةً فاعلةً لتحقيق التحول على مستويات متعددة:
تمكين الناجيات من استعادة أصواتهن، ومشاركة قصصهن كخطوة أولى نحو التعافي.
تغيير النظرة المجتمعية من خلال تعزيز الوعي والتعاطف، وتحويل الخطاب من “اتهام الضحية” إلى “مساءلة الجاني”.
بناء الذاكرة الجمعية عبر الاعتراف بمعاناة الناجيات كجزء لا يتجزأ من الرواية التاريخية للصراع.
تحدي الثقافات الذكورية التي تُبرر العنف أو تُلقِي باللوم على الضحايا، وإعادة تعريف مفاهيم الشرف والعار.
تأسيس قاعدة معرفية لفهم الآثار النفسية والاجتماعية الممتدة للعنف الجنسي، مما يُسهم في تصميم برامج إعادة تأهيل شاملة للناجيات وأسرهن.
3. الأهمية التاريخية: منع إنكار الجرائم أو تزييفها حيث شهد التاريخ محاولات متكررة لإنكار جرائم الحرب (مثل إنكار الهولوكوست أو مذابح البوسنة). أما توثيق شهادات الناجيات، فيكون:
أرشيفًا حيًا يُثبت فظائع داعش، خاصةً مع استمرار ظهور خلايا التنظيم النائمة.
مصدرًا للباحثين لفهم آليات عمل التنظيمات الإرهابية في استغلال النساء كأداة حرب.
4. التحديات التي تواجه التوثيق ,والتي تعيق نجاحه، مثل:
خوف الناجيات من الانتقام: خاصةً إذا كان الجناة لا يزالون أحرارًا.
عدم ثقة الضحايا في النظام القضائي: بسبب الفساد أو تقاعس الحكومات.
الصدمة النفسية: التي قد تُصعّب استرجاع التفاصيل بدقة.
5. آليات تحسين توثيق الشهادات وضمان فعاليتها ، ينبغي اعتماد الآليات التالية:
تعزيز التعاون الدولي والمحلي من خلال إشراك منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والمحكمة الجنائية الدولية في جمع الشهادات وتوثيقها.
حماية هوية الناجيات عبر استخدام أساليب مثل التسجيلات الصوتية المجهولة أو الأسماء المستعارة لضمان السرية والأمان.
تدريب الفرق المعنية على الجوانب القانونية والنفسية لضمان التعامل الحساس مع الضحايا وتوفير بيئة داعمة أثناء الإدلاء بالشهادات.
ربط التوثيق بآليات العدالة الانتقالية من خلال دعم إنشاء محاكم خاصة، على غرار تجربة محكمة رواندا، لضمان محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا.
خاتمة
إن استمرار استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب ليس مجرد جريمة، بل هو فشل إنساني وأخلاقي وقانوني يعكس عجز المجتمع الدولي عن حماية الضعفاء. فإدانة هذه الممارسات لم تعد كافية، بل يجب أن تتحول إلى أولوية قصوى في أجندة حقوق الإنسان العالمية، لأن الضحايا اللواتي يحملن جراحًا لا تندمل يستحقن أكثر من تعويض مادي؛ يستحقن عدالة حقيقية تُنهي ثقافة الإفلات من العقاب وتمنع تكرار هذه الجرائم.
وفي هذا السياق، يبرز توثيق شهادات الناجيات كخطوة محورية نحو تحقيق العدالة والشفاء معًا. فهو ليس مجرد إجراء قانوني تقني، بل هو اعتراف صارخ بإنسانية الضحايا وكسر لجدار الصمت الذي يحيط بهن. كل شهادة تُدوّن تشكل لبنة في صرح العدالة المنشود، ونداء إنسانيًا يذكر العالم بأن جرائم داعش – مهما مر الزمن – لن تُنسى ولن تُغتفر. فالتوثيق هنا يصبح سلاحًا مضادًا للإرهاب، يحوّل معاناة الضحايا من أرقام مجردة إلى وثائق حية تثبت الحق وتطالب بالعدل،وفي ذات الوقت تبرز هذه الشهادات العيانية الحية كإفادة موثقة تذكر مدى عدوانية تنظيم ” داعش ” وذئبويته وهمجيته في التعاطي مع المختلفين معه في الديانة، وهي لعمري شهادة حية تضرب مفهوم التعدّد والتنوّع الإنساني في مقتل.
هذه الروايات ليست للماضي فحسب، بل هي دروس للمستقبل، تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة كي لا تتكرر المأساة. فكما أن الجرائم تُرتكب بالتفصيل، فإن العدالة يجب أن تُصنع بالتفصيل أيضًا – شهادة شهادة، وضحية ضحية، حتى لا يضيع حق أو يهدر دم، وبهذا يصبح التوثيق ليس فقط أداةً للعدالة، بل أيضًا جسرًا يربط بين العلاج الفردي والتغيير المجتمعي، ويحول المعاناة الشخصية إلى قوة دافعة للإصلاح.