د. ابراهيم احمد سمو
منذ البارحة، والعالم مشغول ببيان السيد عبد الله أوجلان، حيث تحولت وسائل الإعلام إلى ساحة نقاش مفتوحة بين مؤيد ومعارض ومستغرب لهذا التطور المفاجئ. هناك من يراه خطوة نحو السلام بديلاً عن القتال، وهناك من يرفضه رفضًا قاطعًا، بينما يقف آخرون في منطقة رمادية بين القبول والدهشة، مستحضرين تعقيدات المشهد السياسي، وتغير الخرائط الجيوسياسية بعد أكثر من مئتي عام من الثبات.
إذا عدنا إلى التاريخ، لم يكن أحد يتوقع أن يعقد صدام حسين صفقة مع شاه إيران عام 1975، متنازلًا عن نصف شط العرب مقابل القضاء على الحركة الكردية، وما تبع ذلك من تهجير وحرق قرى وحملات الأنفال. كذلك، لم يكن متصورًا أن يغير حزب الله معادلة الحكم في لبنان خلال لحظات، أو أن تتقدم إيران إلى مشارف إسرائيل ثم تنهار أذرعها الأمنية والسياسية فجأة، كما حدث مع حماس بعد دخولها لعبة الاستخبارات الدولية، فوجدت نفسها تنهار على رؤوس أهلها وأفرادها المستهدفين واحدًا تلو الآخر من قبل إسرائيل.
لقد دخلنا عصرًا جديدًا من الحروب التكنولوجية، حيث لم يعد أحد في مأمن، حتى في غرف نومه. القادة المستهدفون من قبل القوى الكبرى يسقطون الواحد تلو الآخر، كما رأينا مع قاسم سليماني، وابو مهدي المدرس في بغداد، وحسن نصر الله في لبنان بعد إسماعيل هنية. اللعبة السياسية اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، والتحولات أسرع مما يمكن استيعابه.
أما بالنسبة لحزب العمال الكردستاني، فتأسيسه عام 1978 جاء في سياق سياسي مختلف، لكن مقارنته بتجربة حزب الله، أو بالزحف الإيراني في المنطقة، توضح أن الزمن تغير، ومعه تبدلت المعادلات. بيان أوجلان بالأمس لم يكن مفاجئًا للعارفين بدهاليز السياسة، بل ربما كان نتيجة لمزاد سري، وليس علنيًا، دارت رحاه بعيدًا عن الأضواء.
منذ إعلان البيان، والمحللون يتفقون على نقطة جوهرية واحدة: الحزب بُني على فكر أوجلان، وهو المعني الأول بقرار تأسيسه، وكذلك بقرار إنهائه. البيان حمل رسائل فلسفية، لكنه كان واضحًا في دعوته إلى إلقاء السلاح وحل الحزب. هذه الدعوة هي التي تركت الأثر الأكبر، وأثارت تساؤلات عديدة حول مستقبل القضية الكردية في تركيا والمنطقة عمومًا.
وفي ظل متابعة تطورات المشهد، يبدو أن هناك إجماعًا عامًا على أن حزب العمال الكردستاني، بعد هذا الإعلان، قد انتهى كتنظيم يحمل هذا الاسم والعنوان. قد تحدث بعض الانشقاقات وردود الفعل المتباينة، لكن في النهاية، ستذوب كل الأمور في بوتقة الأحزاب الكردية الفاعلة على الساحة التركية حاليًا.
أما السؤال الأكبر، فهو: هل تغيرت طريقة تحقيق الحقوق القومية للكرد بتغير الزمن والمصالح؟ من الواضح أن المشهد الدولي لم يعد كما كان، وأن هناك فرصًا جديدة أمام الكرد للحصول على حقوقهم بوسائل مختلفة. في هذه المرحلة، تقع على عاتق الدولة التركية مسؤولية أكبر من أي وقت مضى لإعلان موقف واضح وصريح، يعترف بالكرد كشركاء في الوطن، ويؤسس لدستور جديد يضمن لهم حقوقهم الكاملة.
وأخيرًا، أمام الكرد شواهد تاريخية على أن المتغيرات السياسية يمكن أن تأتي بفرص غير متوقعة. في ظل العالم المفتوح، والتكنولوجيا التي توفر إمكانيات غير مسبوقة، أصبح بإمكان الكرد أن يكونوا أكثر يقظة وذكاءً في تحصيل حقوقهم، خاصة أنهم يمتلكون أرضًا غنية بالنفط والزراعة، وشعبًا يتمتع بالقوة والإرادة.
المستقبل لم يُحسم بعد، وما يجري الآن ليس إلا بداية مرحلة جديدة، قد تحمل معها تحولات غير متوقعة