صيانة الاحتمال

 

 

زكية حمو مائل

 

كان الكاتب الفرنسي الشهير بلزاك يزعم أن لديه قدرة التنبؤ بمستقبل الناس عبر دراسة خطوطهم، فجاءته سيدة ذات يوم، وقدّمت له ورقة عليها بضعة أسطر قالت إنّها لصبي في العاشرة.

وتمعّن بلزاك في خط الصبي، ثم قال: ” إن صاحب الخط سيبقى حماراً إلى الأبد “.

ارتسمت أمارات الصدمة الكاملة على محيا المرأة، وتمتمت برجاء: ” لا بد أن ثمة خطأ يا سيدي. أرجوك أعد قراءة الخط “.

لكن بلزاك أبى، وأصر على موقفه قائلاً: ” ليس ثمة داعٍ يا سيدتي . أنا واثق مائة بالمائة أن صاحب الخط سيبقى حماراً غبياً أحمق، حتى لو عاش ألف سنة “.

وإذ ذاك ابتسمت المرأة، رغماً عنها، وتمتمت على استحياء: ” كما تشاء يا عزيزي.. لكن هذا الخط هو خطك أنت حينما كنتَ في العاشرة “.

 

مذ تلك الحادثة تعلم بلزاك مبدأ ” صيانة الاحتمال “. وهو من أهم المبادئ العلمية، وأعظمها رصانة.. ومقتضى هذا المبدأ أن يكون المرء على حذر شديد حين يصدر أحكامه، ويتجنب الجزم بالقطع.. سواء بالإثبات أو النفي.

وقد أثبتت الوقائع صحة هذا المبدأ؛ إذ لم نجد حتى الآن نظرية واحدة في أي فرع من فروع العلوم النظرية أو العملية لم يطرأ عليها التغيير جزئياً أو كلياً مع الوقت.. حتى النظرية النسبية التي تُعتبر من أعظم ما قدمه الفكر البشري، باتت الآن تحت رحمة ظلال هائلة من الريبة والشك، بعد اكتشاف حقل الإدراك المحيط بالكون، على يد عالم الفيزياء الفلكية الأشهر في العالم ” آرنا ويلر “..

وبالقياس، ينبغي أن تخضع أحكامنا، في مختلف مناحي الحياة، إلى مبدأ صيانة الاحتمال. فلا نسرف في الإثبات أو النفي. ولا في المدح والذم. ولا في الحب والكره. ولا في الرضا والسخط. ولا في الحلم والغضب. ولا في الفرح والحزن. ولا في أي شأن آخر من شؤون حياتنا..

وبعبارة أوضح: نحن بحاجة إلى توازن دقيق يتمثل في شؤون حياتنا كلها، ويعم كل توجهاتنا. وأن يسود هذا التوازن المطلوب كلَّ فعل صادرٍ منا، أو كل رد فعل صادرٍ عنا، فنضبط إيقاعنا في جميع تصرفاتنا بحيث يتم انضباط إيقاع الذات فلا تخرج عن مدارها وإيقاع حركة الحياة.

 

وثمة فائدة أخرى يزجيها لنا الالتزام بمبدأ صيانة الاحتمال في حياتنا العامة والخاصة. إذ نكون أقرب به إلى ثقافة التسامح، وتقبّل الرأي الآخر.. وتصبح قاعدة ” رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب ” جسراً إلى التكامل والتساند، بدلاً عن التنافر والتضاد المحتوم في حال غيابها.

وكم نحن، شعوب العالم الثالث، نحتاج هذه الثقافة!!

قبل بضع سنين جمعتني محاسن الصدف مع سيدة عجوز فاضلة، عاشت خمسين سنة مع زوجها بصفاء وود، حسدها عليهما القريب والبعيد، ولم يسمع أحد قط عن خلاف بينهما.

سألتها بفضول عارم عن سر نجاحها هذا فقالت:

” احتفظت مذ أول زواجي بمجموعة كرات صغيرة في حقيبتي. وكنت كلما شعرت بنذر خلاف وشيك بيني وبين زوجي أمسكتُ إحداها بيدي، وأريته إياها، ثم أسأله: ما لون هذه الكرة يا عزيزي ؟. فينظر إليها زوجي نظرة سريعة، ويجيب: إنها سوداء..

وإذ ذاك أهز رأسي بالنفي وأقول: ليتك تريثتَ قليلاً، وصنتَ باقي الاحتمالات، فالجزء الذي أراه من الكرة أبيض.

ثم أدير ذلك الجزء إليه، وأتابع: لا نستطيع قط أن نتفق على لون هذه الكرة إلا إذا كنتَ تعرف وجهة نظري، وأدركتُ أنا أنك تنظر إليها من وجهة أخرى.

 

وبذا أمكننا تجنـّب الكثير من الخلافات، فقد تعلمنا كلانا أن ننظر إلى جانبي الكرة “..

رمقتُ السيدة بنظرة إعجاب حقيقي، وقلتُ في نفسي: ليتَ الناس كلهم يتعلمون من هذه المرأة كيف يُصان الاحتمال بالنظر إلى جانبي الكرة.

حقاً.. إنها سيدة حكيمة..

قد يعجبك ايضا