جليل خزعل
الفنان طالب مكي واحد من الرسامين القلائل الذين رسخوا أسماءهم في ذاكرة الطفولة العراقية على مدى خمسة عقود. فقد ارتبط اسمه بمجلة (مجلتي) لأنه من أوائل مؤسسي هذا المشروع الثقافي. كان طالب أول مسؤول عن القسم الفني في (مجلتي) حين كان هذا القسم يضم أهم رسامي الأطفال في العراق والوطن العربي أمثال فيصل لعيبي، وصلاح جياد ووليد شيت، وماهود أحمد، وفالنتينا أحمد، وبسام فرج، وعصام الجبوري، والراحل مؤيد نعمة وغيرهم.
المدرسة العراقية
يمتلك طالب مكي قدرة عجيبة على رسم الأشرطة المصورة (كومكس)، وهذا النوع من الفنون الذي يطلق عليه المتخصصون الفن الثامن – بعد السينما وهي الفن السابع- لا يجيد إتقانه إلّا الرسام المبدع الذي يمتلك إمكانيات متميزة وخيالاً واسعاً في الرسم. أشرطة طالب مكي المصورة لوحات فنية تميزت عن الأشرطة التي كنا نشاهدها في مجلات الأطفال العربية والأجنبية، التي كانت تصل إلى العراق بكثرة. فرسوم طالب في الأشرطة هي لوحات فنية بكل معنى الكلمة، تصوير أشبه بالإخراج السينمائي لكل لقطة، ولمسات الفرشاة وتدرج الألوان وقوة التخطيط، جعلتها مميزة بشكل واضح حتى صار بإمكاننا القول إنها مدرسة عراقية في الرسم للأطفال. في الوقت الذي كانت فيه رسوم المجلات الأخرى هي خطوط ومساحات لونية واحدة بألوان طباعية خالصة لا أثر فيها لروح الفنان وإبداعه.
يمتلك طالب مكي ذاكرة أرشيفية فريدة من نوعها تحفظ أَدق التفاصيل عن الحضارات القديمة. فهو الرسام الوحيد الذي يستطيع أن ينقلنا في رسومه إلى الأجواء التأريخية على اختلاف مراحلها بواقعية دقيقة تكاد تقترب من التصوير الفوتغرافي. وكأنه عاش في تلك الحقب والأزمنة التأريخية البعيدة، وعايش أبطالها. فالوجوه والأزياء والشوارع والبنايات والأدوات والآلات مرسومة بدقة متناهية، ممزوجة بسحر وخيال خاصين، حتى صارت رسومه ولوحاته المصادر الموثوقة لمن يريد دراسة تلك الأزمنة. والغريب أنه يرسم كلَّ ذلك دون الاعتماد أو الرجوع إلى أي مصدر سوى ذاكرته التي لم تخذله في يوم من الأيام. إنه يتخيل الأشياء وكأَنه عاشها واقعاً ويضيف إليها ما تجود به عبقريته من خيال وسحر.
رسم طالب مكي عشرات الكتب ومئات الصفحات من القصص التأريخية للفتيان وكتب المغامرات وكتب السيرة والتراجم والكتب الدينية. وكانت رسومه تمتاز ببراعة في الإنشاء وجرأة في الخطوط، وقدرة ومرونة في تحريك الشخصيات والمشاهد المرسومة ومتابعتها من زوايا متنوعة في عملية شبيهة بالتصوير والإخراج السينمائي المتقن.
ألوانه الترابية تشعرك حالاً بعراقيتها، تكاد تشم فيها رائحة الأرض والحقول وأنفاس الجياد وزقزقات الطيور التي يرسمها، عيون شخصياته ووجوهها مشرقة تشع ألقاً وبهجة وصفاء، فهو عاشق منتم بإخلاص الى بيئته، يعرفها معرفة الخبير بكل تفاصيلها، وفي هذا الجانب أتذكّر واحدة من أهم ملاحظاته التي يوجهها للرسام الذي يطلع على رسومه، ولا يجدها قريبة من البيئة المحلية، فيطلق عبارته الشهيرة (شنو هذا، هذا مو هو!!)
أي ما هذا؟ هذه الملامح لا تمثل ملامح أطفالنا، ولا وجوه ناسنا، يريد أن يقول للرسامين الذين يرسمون للأطفال دعكم من التأثر بالرسوم التي تشاهدونها في المطبوعات الأجنبية. ارسموا واقعكم وأضيفوا له من خيالكم ما يجعله جميلاً وساحراً. كان دقيقاً وصادقاً إلى درجة الصرامة والتشدد في ملاحظاته، لا يجامل أحداً أبداً. يطمح أن يقدم الرسامون أفضل ما لديهم. فكان لملاحظاته هذه أثر واضح في مسيرة كثير من الرسامين الذين أشرف عليهم.
نصف قرن مع الفن
شارك طالب مكي في أكثر من مئة معرض محلي وعربي وعالمي، وحصل على جوائز وشهادات تقديرية كثيرة، كما أشرف على تدريب عدد كبير من الرسامين في دار ثقافة الأطفال على مدى نصف قرن قضاه في خدمة الفن وثقافة الطفل بالتحديد، فدرّب وتابع العشرات من الرسامين، وتخرّج على يديه الكثير منهم، صارت لبعضهم شهرة واسعة في أنحاء العالم .
أعمال طالب مكي أبهجت أجيالاً من العراقيين، ولم تفقد شيئاً من قيمتها على امتداد هذه السنوات الطوال، لدرجة انها أصبحت اليوم جزءاً من الوجدان الجمعي للطفولة العراقية. من ينسى سيناريو الوحش، ورسوم مسلسل آلة الزمن، ورجال من المريخ في الأعداد الأولى من مجلتي؟ ومن ينسى الكتب الخالدة، ابن النجوم، والرازي، وآشور بانيبال، وقصص القرآن الكريم، وليث وملك الريح وغيرها؟
فنان وموظف
حين يرسم طالب مكي بمزاجه الخاص لا يضاهيه أحد، لكنه حين يعامل كموظف تقليدي يكلّف برسم ما يُطلب منه ترى رسومه دون المستوى المعهود.
أتذكّر حين كنت مديراً لتحرير مجلة “مجلتي” كلّفته برسم غلاف عن مناسبة رسمية، فرسم الغلاف دون رغبة حقيقية، وبطريقة لم تعجب المسؤولين في وزارة الثقافة وقتها، وجرى استدعائي وسؤالي دون أن يتجرأَ أحد على استدعائه، فقد كان مهاباً من الجميع.
إنه عملاق صامت حُرم من نعمتي السمع والنطق، لكنه حصل على نعمة الإبداع والذكاء فتعلّم منه الرسامون والأطفال كثيراً، إنه بحق الأب الروحي لرسامي الأطفال في العراق بشهادة أغلبهم.
في المرات القليلة التي تحدّث فيها طالب عن طفولته قال لنا: كنتُ أمسكُ الطباشير وأرسمُ على جدران البيوت في مدينة الشطرة التي ولدت فيها كلَّ شيء يقع أمامي، أرسم الحيوانات، ووجوه النسوة الريفيات، أرسم الشوارع والمقاهي، ومن فوق سطح الدار أرسم الجوامع والمآذن.
دخل معهد الفنون الجميلة عام 1953 بقرار خاص من وزير التربية بعد قصة طريفة تحايل فيها والده وأحد الأعيان على الوزير، ليجعلا طالب مكي يرسمه دون علمه. في الوقت الذي كان فيه الوزير يعتقد أنه مجرد طفل (يشخبط) جاء مع الضيفين.
في الرسم والنحت
في المعهد كان قبوله في قسم الرسم، حيث أخذ الفنان الكبير فائق حسن يدرّبه على التخطيط، لكن فضول هذا الطالب الصغير جعله يذهب مراراً إلى قسم النحت الذي يرأسه الفنان جواد سليم، فقام جواد بطرده أكثر من مرة، لكن طالب مكي دخل ذات يوم قبل قدوم طلاب قسم النحت، وأنجز تمثالاً لأحد العاملين في القسم بسرعة قياسية، وحين شاهد جواد سليم النحت اندهش كثيراً وسأل عمن قام به، وحين أخبروه أنه الطالب الذي يطرده كل يوم، طلب منه البقاء في قسم النحت وترك قسم الرسم، فقد أدرك جواد سليم أن هذا الصبي نحّات مبدع بالفطرة. ولقبه فيما بعد بأسد بابل لصمته البليغ الذي يشبه صمت تمثال أسد بابل الشهير.
عمل طالب في مجلة (العاملون في النفط) رساما توضيحياً عام1960، وهي مجلة ثقافية يرأس تحريرها جبرا إبراهيم جبرا. ومعلماً للرسم في معهد الصم والبكم عام 1966، وفي مجلتي والمزمار منذ العام 1969وبقي فيها حتى تحولت إلى دار ثقافة الأطفال فيما بعد.
عانى طالب مكي، هذا العملاق الكبير، من العزلة والإهمال من قبل المؤسسة الرسمية في سنواته الأخيرة، وأصيب بحالة من الكآبة والحزن الشديدين بعد أن أصيب بانحراف شبكية العين في أواخر العقد الثمانيني؛ الأمر الذي انعكس على رسومه المتأخرة التي لوحظ عليها الانحراف والاعوجاج الواضحين، فصارت خطوطه غير مستقيمة، لكنها ظلت جميلة أيضاً، وكأنها أسلوب جديد في الرسم.
رحم الله فناننا الكبير طالب مكي مبدع تفاصيل الجمال الذي سكن وجدان الطفولة العراقية.