شاكر خصباك.. علم من أعلام العراق

 

عبد الجبار توري

البروفيسور الراحل شاكر خصباك من مواليد 1930 الحلة يعد واحداً من أعلام العراق المعاصر فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم وكاتب مذكرات ومقالات أضافة أنه أكاديمي كبير في علم الجغرافيا، وقد حصل على درجة الأستاذية عام 1974، وهذا النبوغ ليس غريباً أن خاله شاعر ثورة العشرين، محمد مهدي البصير، وهل يخفى القمرُ.

أن يد المنافي الظالمة لعبت بالدكتور الأكاديمي ا.د.” شاكر خصباك” بالترحال من اليمن إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل وفاته أصيب بفقدان الذاكرة -عن عمر 87 سنة – بعد وصوله إلى الأرض المشؤومة.

هكذا رحل عنا إلى الأبد في أمريكا مغترباً قسراً، وربما لعبت الأقدار والصدف الغبية، في نسج مقاربات في وجع المنافي والأقصاء المتعمد والدفن في مقابر الغرباء بينهُ وبين الجواهري والبياتي وغيره.

في محور الحديث عن الدكتور ”شاكر خصباك” مبدع غزير الإنتاج متعدد المواهب هو ذلك العالم الجغرافي الكبير والأديب الثري العطاء واستحضار هذا الرمز العلمي والأدبي ما هو ألا إشارة في تقييم الكبار، والاعتراف باستحقاقاتهم في سيولة أقلامهم وأياديهم البيضاء، وفضلهم على الأجيال المستقبلية المتلاحقة في رسم سيمياء اللغة والأدب والرواية، فخصباك هو ذلك المبدع في فن ابراز الجمال والحب والسلام والأنسنة التي تفوح بعبق عطاءاته الثرة، ظهر أديباً  في الأربعينيات حقق حضوراً متميّزاً بارزاً، ولمع نجمهُ في السبعينات من القرن الماضي كعالم في علم الجغرافيا، وتميّز مشروعهُ الفكري المناهض للاستبداد، برؤية واقعية في تبني مواقف المظلومين والمقهورين والتصدي لكل أشكال السلطة المستبدة، وهي تلك المواقف التي زجتهُ في المعتقل، وتسبب بعزلهِ من عملهِ الأكاديمي ، مما أضطرهُ لمغادرة العراق محققاً نبوغاً في القصة والرواية والمسرح والنقد ، ولهُ 15 رواية من أصل 35 عملاً أدبياً، ومثلها مؤلفات وتراجم في علم الجغرافيا  .

وثمة خاطرة مُرّةٍ تجيشُ في صدري وتؤرقني، لماذا نحتفي بالفارس بعد ترجلهِ، ورحيلهِ الأبدي؟! وربما ثقيلٌ عليّ أن أقول كلمة وداعاً يا بروفيسورنا الذي أعطيت للوطن 60 عاما من عمرك وزمنك ولم تأخذ منهُ شيئاً، وأين الوطن ليستذكر هذه القامة العلمية والثقافية الموسوعية، وأين هم من شاكر خصباك العلامة الحيّة المبدعة ونتاجاته العلمية والثقافية والتي أتخم بها خزانة الذاكرة العراقية، وقد شبع من الترحال، غاصاً من كأس عذابات المنافي والغربة، التي فيها موتاً مجانياً يومياّ عبر شهيق هوائها المزكوم في الوقت الضائع لتلك اللعبة الزمنية الغبية في محطة الشيخوخة اللعينة، وعطلاتها العديدة، وأن فارسنا قد ترجل، وها هو قد مشي في طريق الرحيل الأبدي، وعندها نمجد الفارس عندما يكبوا حصانه ويترجل ليودعنا، وتقوم حينها قيامة اعلان الحداد على موت تلك القامة التي كان يوماً من رموز الثقافة الكبار، وأحد ركائز التراث العراقي شأنه شأن الرموز العلمية والثقافية والفنية، وليس بالضرورة لاحتياجاته المالية ربما لأنهُ يعيش من ريع مؤلفاته ونتاجاته الغزيرة الثرة، ولكنه بحاجة إلى التثمين والتقييم والتكريم والعرفان.

 

ومن مفارقات القدر أن ينساهُ وطنه العراق وتحتفي به (صنعاء) اليمن –مشكورة– بمنجزات الدكتور شاكر خصباك في 10-6- 2008وعلى قاعة مركز الدراسات والبحوث اليمني بعنوان (مضامين تراثية ونقدية عن المنجز العلمي والأدبي للدكتور والأديب العراقي شاكر خصباك) احتفاءً بهِ وتقديراً لدوره الإبداعي العلمي، وبمناسبة صدور مؤلفاته الأدبية في ثمانية مجلدات، وقد شارك في الاحتفاء عدد كبير من الأدباء والنقاد وأصدقاء الأديب، وبعض ممن درس على يديه.

حين تستعرض منجزات شاكر خصباك وابداعاته الأكاديمية الموسوعية التي تبهر المتلقي العراقي والعربي والعالمي، وربما تعجز عن حصرها لسعتها وتعدد فروعها:

-مقالات مبكرة بين 1945- 1947 منها بحوث ثقافية وأدبية (دراسات أدبية، نجيب محفوظ، كتابات نقدية، القافلة الضالّة، مكانة المرأة في بلادنا، حديث عن الفن، كليباترا في خان الخليلي، الكاتب الروسي” أنطون تشيخوف” وعشرات المقالات في توضيح معالم اهتماماته الفكرية المبكرة في ميدان الكتابة الأدبية الاجتماعية.

_وهو قاص وكاتب مسرحي جسّد دور المسرح وأهميته في حياة البشر بالاطار الواقعي الملتزم بحواراتهِ المكثفة وبأسلوبٍ رشيق وبتجلياتها الدرامية والمفعمة بالأمل الذي جعله من أسس البناء الدرامي، ويصفهُ بأنهُ أكسير الحياة أذ لولا الأمل لتعطلت ديناميكية الحياة عبر مسيرتها الطويلة والمملة مثل: (مسرحية القهقهة، الدردشة، وهو وهي، والشيء، وبيت الزوجية، الدكتاتور) .

– التخصص في علم الجغرافيا حصل على الليسانس من جامعة القاهرة عام 1951، وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه من انكلترا في الجغرافية البشرية عام 1958، وعُيّن في كلية الآداب في قسم الجغرافيا، وكنت حينها طالبا في كلية التربية قسم الجغرافيا، مع الأسف أنهُ لم يدرسني بل كنت من الطلاب المتابعين لبحوثه ومحاضراته في حقل الجغرافيا البشرية.

ختاما ليس من الضروري في هذه المقالة كتابة تفصيلية عن الأستاذ الدكتور شاكر خصباك فهو يستحق أن نكتب عنهُ مجلدات وأطروحات لكن الهدف هو التذكير بهذا (العَلمْ) الذي خدم وطنهُ والانسانية عبر فضائين واسعين هما: الأبداع الأدبي في مجال القصة والرواية والمسرح، والثاني: الدراسات الجغرافية بقسميها البشري والاجتماعي، ومع ذلك تمّ تجاهلهُ بقسوّة من حكومات زمنهِ ومن بعض نقاد الأدب المشهورين ربما لأن شهرته العلمية طغت على شهرته الأدبية.

قد يعجبك ايضا