تأريخ بدايات ثورة گولان

 

٢٦/ ٥/ ١٩٧٦

ج (1)

تأليف: أسعد عدو

ترجمة: بلند داوود

تقديم: د. عبد الفتاح علي البوتاني

تحرير صحفي: سالم بخشي

  • ان ثورة أيلول التي أرادت اتفاقية الجزائر وأدها في اذار ١٩٧٥ عادت أشد وأقوى في (أيار) گولان ١٩٧٦
  • عجز الدول الأربعة التي قسّم الكورد بينها عن اخماد الثورات الكوردية جعلها تتآمر وتتنازل عن سيادتها الوطنية أحيانًا (لكسر صمودهم) كما حدث في اتفاقية الجزائر التي عقدت في ٦ اذار ۱٩٧٥
  • هناك جنود مجهولين في الثورة الكوردية لم ينصفهم تاريخ الكورد ندعو الى عدم نسيانهم وانصافهم ورعاية ذويهم
  • في ۱۰ كانون الأول ۱۹۷٥ أصدر الپارتي أول بيان بعد توقف الثورة وكان تحت عنوان (کوردستان الساحة الحقيقية للنضال، ناضلي يا جماهيرنا وارفضي واقع النكسة)

 

الإهداء

إلى كل من شارك بالثورة المجيدة، خاصة العم يوسف بيرمان

تقديم

معد ومؤلف هذا الكتاب السيد أسعد عدو، ليس مؤرخا، بل معروف عنه اهتمامه بالتراث والفلكلور الكوردي وبتحليل الملاحم والأغنية الكوردية التاريخية، اذ حقق نجاحا في هذا المجال بشهادة كل من تابع برامجه التلفزيونية وكتاباته و ندواته ومحاضراته وتعرف عليه عن كثب وبحكم عمله في الصحافة الكوردية منذ عقود قام بتحقيق الكثير من المقابلات الشخصية للذين شاركوا في ثورتي (۱۱) أيلول (١٩٦١) و (گولان ٢٦ آيار ۱۹۷٦وحصل منهم على معلومات ثمينة ونادرة عن وقائع ثورة گولان خاصة، بعد ما حصل عليه من وثائق حية، ولولاه لضاعت تلك المعلومات والحقائق بسبب تقادم الزمن ورحيل معظم الذين قابلهم واستقى معلوماته منهم.

ان تراكم مواد مقابلاته الصحفية مع نخبة من صانعي الأحداث وشهود العيان، كان سببا دفعه لتأليف واعداد هذا الكتاب الذي بين يدي القراء الكرام، وفي رأيي ان عمله هذا محاولة جادة لتوثيق بعض جوانب قيام ثورة گولان في ٢٦ أيار ١٩٧٦ ووقائعها ووضعها في خدمة المؤرخين والباحثين، أو الجهة التي ستوثق وقائع وحيثيات هذه الثورة مستقبلا.

في الكتاب وصف صادق لمعاناة پیشمرگه ثورة گولان الذين كسروا الجدار الحديدي الذي بنته الدولتان العراقية والايرانية بهدف القضاء نهائيا على حركة التحرر الكوردية خاصة بعد نكسة ثورة أيلول في ٦ أذار ١٩٧٥ أثر اتفاقية الجزائر.

ويشيد الكاتب بجهود جنود مجهولين لم ينصفهم تاريخ الكورد كتب عنهم بشكل إنساني مؤثر وحزين، ودعا الى عدم نسيانهم وانصافهم ورعاية ذويهم، خاصة بعد تشكيل حكومة اقليم كوردستان في تموز ۱۹۹۲ وفي الوقت نفسه دعا الى أن يتوارى عن الأنظار خجلا كل من وقف معاديا لطموحات شعبه القومية، وغير الموضوعيين الذين يحاولون دون واعز من ضمير لي عنق الحقائق وحجب نورها بغرابيلهم المتهرئة وأساليبهم الملتوية التي لا تنطلي إلا على أمثالهم من ضعاف النفوس والذين في (قلوبهم مرض).

 

 

 

يحاول الكاتب واستنادا على الوثائق الحية أن يثبت عدة أمور منها: ان ثورة گولان ما هي الا امتداد لثورة أيلول التي توقفت مؤقتا، واستؤنفت بعد نحو سنة وشهرين على نكستها ويثبت أيضا ان البارزاني قائد الثورة لم يوقفها الا لتستؤنف أشد وأقوى والأهم من هذا أن الثورة استؤنفت أولا في ٢٦ أيار ١٩٧٦ بجهود ونضال الحزب الديمقراطي الكوردستانی (الپارتي) ويرد في هذا المجال على كل من ذهب خلاف ذلك لأغراض في نفسه، أو للتقليل من شأن (البارتي) وفي رأيي أنه نجح فيما ذهب اليه بالأدلة والبراهين والوقائع. بالرد على الكتابات غير الموضوعية والمتناقضة والمواقف المتذبذبة التي لا تصمد أمام المنطق والنقد التاريخي.

وإذا كان لابد من توضيح ما تضمنه الكتاب من معلومات عن تلك المرحلة المأساوية والعاصفة التي أعقبت نكسة الثورة الكوردية في ٦ أذار ١٩٧٥ والتي أرادت بها الدول أن تتقاسم كوردستان والقضاء نهائيا على البيشمركه وأماني الشعب الكوردي وأحلامه، أرى من الضروري أن أكتب ما يلي استنادا إلى مصادر موثوقة معاصرة ومعلومات ومواقف وردت في هذا الكتاب: ان ثورة أيلول التي أرادت اتفاقية الجزائر وأدها في اذار ١٩٧٥ عادت أشد وأقوى في أيار گولان ١٩٧٦.

ان مصير الحركات والثورات الوطنية الكوردية التي شهدتها کوردستان خلال المدة ۱۹۱۸ – ۱۹۷٥ لم يتقرر على قمم الجبال أو على جبهات القتال، بل كان ذلك يتم نتيجة اتفاق وتعاون وتحالفات الدول التي تتقاسم كوردستان.

ان هذه الدول وعلى الرغم من خلافاتها الاقليمية والتاريخية، فإنها تعد الكورد العدو المشترك لها، وأمام عجزها عن اخماد الثورات الكوردية لم تتورع عن التنازل لبعضها البعض عن السيادة الوطنية والتخلي عن التزاماتها الأخلاقية تجاه الكورد، ففي اتفاقية الجزائر التي عقدت في ٦ اذار ۱٩٧٥ مثلا تنازل العراق فيها عن نصف شط العرب وعن أجزاء من أراضيه الحدودية لإيران من أجل انهاء الثورة الكوردية.

أكد قادة البيشمركه الذين قابلهم السيد أسعد عدو، ونشر تصريحاتهم في جريدة برايتي (التآخي) التي صدرت في أربيل باللغة الكوردية في مطلع تسعينات القرن الماضي، ان البارزاني أكد لهم وقبل مغادرته کوردستان إلى الجانب الايراني بأن توقف الثورة سيكون مؤقتا وإنها ستستأنف قريبا وأكدت تصريحات البارزاني في الصحف اللاحقة.

مما لا شك فيه أن اتفاقية الجزائر أرادت أن تحكم على الثورة الكوردية بالموت الأبدي، اذ بموجبها أصبحت كل الطرق مسدودة بوجهها، ولم يكن هناك خیار سوی ايقاف الثورة لتجنب كوردستان الويلات والتدمير، لأن حجم المؤامرة كان أكبر من امكانياتها، فقد كان قرار البارزاني بإيقافها قرارا حكيما ولم ينس الاشادة ببطولات الپیشمرگه وطمأنتهم بأن الكفاح المسلح سيعود في الوقت المناسب لأنه كان يرى في المؤامرة الدولية التي حيكت في الجزائر حالة مؤقتة ستزول، فقد أجرت صحيفة، كون أيدن (صباح الخير) التركية في ٢٥ أذار ١٩٧٥ مقابلة معه في ايران شكا خلالها البارزاني من عدم قيام العالم بمساعدته و قال بأن الحركة الكوردية مستمرة رغم توقفها.

وكشف مجلة صات (الساعة) التركية أيضا في عددها الصادر في ١٧-٢٤ نيسان ١٩٧٥ عن وجود (١٥-٢٠) ألف كوردي في العراق في حالة تأهب للقتال وأضافت بأن قوات البارزاني قد هزمت ولكن التكهن بالمستقبل صعب.

كما صرح البارزاني في ٥ أيلول ۱۹۷٥ للصحفي المصري الشهير محمد حسنين هيكل قائلا: ((اننا لا نستسلم بل نؤثر في الوقت الحاضر وايقاف العمليات حالة مؤقتة ، لإعادة رص الصفوف وبناء الثورة لتنسجم مع المستجدات، حتى نستطيع الاستمرار في المقاومة بعد اغلاق الحدود الايرانية – العراقية الثورة لم تنته لكنها توقفت في الحاضر)).

وفعلا بعد شهر من اتفاقية الجزائر أخذ (البارتي) يعيد تنظيمه وبشكل في غاية السرية، فتشكلت الخطوط التنظيمية مجددا، وأعدت مفارز الپیشمرگه وفي ۱۰ كانون الأول ۱۹۷٥ أصدر الپارتي أول بيان بعد توقف الثورة وكان تحت عنوان (کوردستان الساحة الحقيقية للنضال ناضلي يا جماهيرنا وارفضي واقع النكسة) وهكذا تحركت مفارز الپیشمرگه الاولى الى كوردستان وفي ٢٥ أيار ١٩٧٦ أي عشية يوم ٢٦ أيار أطلقت الرصاصة الأولى واستؤنفت الثورة على الرغم من كل الاجراءات التعسفية التي اتخذتها الدولتان المتحالفتان.

تمكن الثوار من اعادة تنظيمهم واختراق ذلك الطوق الحديدي الذي أحكمته عليهم الدولتان، تم ذلك قبل أن تتبادل الدولتان العراقية والايرانية وثائق اتفاقية الجزائر المصادق عليها من (برلمانيهما) في طهران في ٢٢ حزيران ١٩٧٦.

لم يكن استئناف الثورة عملا سهلا، والكتاب هذا فيه معلومات نادرة ومثيرة عن اللقاءات والتحركات والاستعدادات لاستئنافها، وعن الپیشمرگه الأوائل الذين اخترقوا الجدار الحديدي المفروض عليهم.

مما لا شك فيه ان الاجراءات المشددة التي اتخذتها الدولتان على الحدود خلقت ظروفا في غاية الصعوبة لاستئناف الثورة فقد وزعت معظم وحدات الجيش العراقي على قمم الجبال وأفرغت السلطات المناطق الحدودية مع إيران وتركيا بعمق ۲۰ كم من السكان. ونفت وأبعدت آلاف الكورد الى وسط وجنوب العراق، وفي المدن الكوردية شكلت السلطات وتنظيمات حزب البعث أوسع الاجهزة الامنية والمخابراتية القمعية والتجسسية لمراقبة الكورد وتحركاتهم.

أما في إيران فقد شتتت السلطات اللاجئين الكورد الذين عبروا الحدود اليها على مساحات واسعة في غرب إيران وجنوبها وحذرت ومنذ اليوم الأول الذي أعقب الاتفاقية قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من القيام بأي عمل سياسي أو تنظيمي بين اللاجئين الكورد وأنذرت المخالفين بتسليمهم الى النظام العراقي.

المهم في الأمر لم تنه الاتفاقية، الثورة الكوردية، بل أدت الى توقفها ولو الى حين، وتحقق ما صرح به البارزاني بعد أيام من توقف القتال أن الثورة ستعود أشد وأقوى من قبل و سنستمر بالنضال وكلما ناضلنا أكثر فان حقوقنا ستثبت أكثر لأن نضالنا مشروع ولأن حركتنا انسانية تحررية وان نظام صدام سيقهر وسيهزم لأنه لا يعرف العهد ولا يعرف الأخلاق وهذا ما حصل فعلا فقد استؤنفت الثورة في ٢٦ أيار ١٩٧٦ أشد وأقوى وانتهى نظام الشاه ونظام صدام الى مزبلة التأريخ وتحققت الفدرالية لكوردستان.

بقي أن أقول أنى قرأت هذا الكتاب بدقة واستمتعت بقراءته وكانت لي ملاحظات وتصحيحات بسيطة ثبتها في المتن والهوامش والكتاب يعد مصدرا مهما لكل باحث يرغب الكتابة عن ثورة كولان لأنه يتضمن وثائق حية تتمثل بمعلومات المشاركين فيها من الپیشمرگه الأوائل الذين حاول الكاتب والصفحي أسعد عدو أن ينصفهم ويلفت انتباه وأنظار المسؤولين إليهم أو الى ذويهم.

 

 

ا.د. عبد الفتاح علي البوتاني

دهوك ٢٢ / ٥ / ٢٠٢٤

 

التمهيد

منذ أمد بعيد ونحن الكورد نشكو من أن خصومنا والغرباء هم الذين يكتبون تأريخ شعبنا من وجهة نظرهم، ولهذا ظل الكورد يجلدون ذاتهم من دون رحمة! مع أن البعض منهم كان يحاول القيام بهذا العمل المقدس بين الحين والآخر إلا أنهم وبسبب الظروف السياسية التي فرضها المحتلون عليهم لم يتمكنوا من إطلاق العنان لأقلامهم لتكتب بحرية ما تشاء، ولهذا فإننا جميعاً كنا نأمل أن يأتي هذا اليوم الذي يكتب فيه المؤرخون والأكاديميون الكورد تاريخهم بأقلامهم.

 

 

 

وها قد كتب لنا الله أن نرى هذا اليوم، ولكن مع الأسف لم تتوفر حتى الآن الظروف المناسبة لكي نستطيع مثل الشعوب الأخرى تدوين هذا الجانب  التأريخي المهم للشعب الكوردي، لكي نتمكن من ملأ الفراغ الذي تعانيه المكتبة الكوردية في هذا المجال، وأن تدرس في الوقت نفسه كل مرحلة من هذا التأريخ في مختلف المراحل الدراسية، ولا شك أن هذه المهمة المقدسة جداً تقع على عاتق المؤسسات الحكومية في إقليم كوردستان.

منذ فترة طويلة ونحن نتمنى أن يقوم السياسيون، والموظفون والكوادر الكفؤة، والپیشمرگه الأبطال، أن ينشر كل من موقعه الجوانب الخاصة بالمصلحة العامة، ومن وجهة النظر الكوردية، عبر طبع الكراسات أو الكتابة على صفحات المجلات والصحف، لكي تصبح كل تلك المعلومات المنشورة هنا وهناك خزين غني بين يدي اللجنة المختصة بكتابة التأريخ الكوردي.

صحيح أنه تم الاهتمام من قبل الكثيرين بتلك الجوانب بعد الانتفاضة ولكن المؤلم والمؤسف هو أن كل من هؤلاء لم يكن يقيس الأمور إلا بمعاييره الخاصة أو بمعايير الجهة التي ينتمي إليها ، من دون أن أخذ الجهة المقابلة بعين الاعتبار، وهذا لا يخدم تأريخنا بأي شكل من الأشكال.

إن أول ندوة تم تسجيلها لصالح تلفزیون كوردستان المحلي في بداية آيار عام (۱۹۹۲)، خلال حملتنا الدعائية لانتخابات المجلس الوطني الكوردستاني هي الندوة التي نظمتها لكل من السادة : جوهر ناميق، كريم سنجاري، هوشيار زيباري، بيروت أحمد، وحينذاك لم يكن قد مر على صدور جريدة التآخي – برايتي أكثر من ثلاثة أشهر، عندما قال الرئيس بارزاني: ((لكي يكون الجيل الجديد على علم بكيفية استمرار الثورة، أي الثورة المكملة والتي سميت باسم گولان، لا بد أن نفتح محوراً على صفحات جريدة التآخي– برايتي)). وهذا الكلام دفعني والأخ زاهر روژبياني أن نجري اللقاءات مع السادة:

۱- فرانسو حريري.

۲- د. كمال كركوكي.

۳- عليكو.

٤- یونس روژبياني.

ه – مصطفى نيرويي.

٦- محمد خالد بوصه لي.

۷- كريم سنجاري.

وبعد الطبعة الأولى، أجرينا اللقاءات كذلك مع:

۸- عبد الرحمن گندگی.

۹- عادل حجي قادو.

۱۰- عبد الرحمن پيداوي.

صحيح أننا نحتفل سنوياً بذكرى ثورة كولان عبر وسائلنا الإعلامية الثلاثة (التلفزيون، الإذاعة، الصحافة)، ولكن بتقديري لم نستطع حتى اللحظة أن نصل إلى مستوى التعبير بدقة عن التحديات التي كانت تواجه الثورة آنذاك، ولهذا ندعو قيادة حزبنا الديمقراطي الكوردستانی لأن تبادر بأسرع وقت ممكن إلى تأسيس لجنة خاصة لكتابة تأريخ البارتي ومؤتمراته والجوانب الغامضة لثورة گولان.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع بالنسبة للمستقبل، فإنني فكرت أن أنشر تلك المعلومات بين دفتي هذا الكتاب حتى يصبح مصدراً للمعلومات حول ثورة گولان، ولكن مع الأسف كانت الظروف حينذاك صعبة جداً، الأمر الذي حال دون وصول هذا الكراس إلى كوردستان بشكل واسع.

المؤلف: أسعد عدو

قد يعجبك ايضا