الجزء الثاني
البيلوانية (الفهلوية):
الفهلوية تعني الشجاعة أو البطولة بالكوردية، تأتي هذه الحروف كتحديث على يد الكورد في الحروف الآفستائية والتي صار عدد حروفها (42) حرفاً، وظهرت في العهد الساساني كلغة كوردية عريقة لها شهرة في أصقاع العالم. من الجدير ذكره هو أن قراءة تلك الحروف هي نفسها التي علمنا إياها أجدانا بصيغة “أبجد هوز حطي كلما شعقص قرشت ضازوغلا” وتبدأ من اليمين نحو اليسار.
يقول الدكتور المصري (محمد غنيمي هلال): “إن معنى الفهلوية هو في الكوردية (الأبطال) وهي اللغة الكوردية القديمة التي كانت هي الأساس الذي ترجمه العرب لكتاب كليلة ودمنة لكاتبها روزبيه الملقب بابن المقفع وكذلك كتاب ألف ليلة وليلة”. ومن الملفت أن هذه الحروف كانت القاعدة التي استمدت منها حروف القرآن الكريم، ونلاحظ ذلك في حدة التشابه الكبير بينهما. كما كتب بها الكتب التالية: السندباد البحري، كليلة ودمنة، آييننامة، خوداينامة وكارنامة.
حروف ماصي صوراتي:
هي الحروف التي أوجدها ماصي صوراتي – بينوشاد، وكان عدد حروفها 36 حرفاً ثم صار 42 حرفاً. يقول في هذا العلامة أحمد ابن الوحشية النبطي الذي كان كاتباً لدى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: “إنني رأيت 30 كتاباً في بغداد بلغة ماسي صوراتي، وكان يوجد منها في الشام كتابان: أحدهما عن كيفية السقاية والزراعة، والآخر عن تربية النخيل، ذكر هذا في كتابه “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام” عام 241هـ كما أن ابن وحشية ترجم ذلك الكتابين إلى اللغة العربية، ومن الجدير ذكره ومن المؤلم بأن هذه اللغة الكوردية قد جوبهت بمواقف وهجمات عنصرية خلال الدولة الأموية، إذ إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حارب هذه اللغة في المساجد والأعياد والدواوين، مستخدماً سياسة التعريب، والأبشع من هذا إن الوالي الأموي على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يقول عن العلماء والمعارضين: “أرى الرؤوس قد أينعت فحان وقت قطافها”، قد أحرق كل ما وجده من الكتب الكوردية ، بالإضافة إلى إنه قضى على منبع ذلك العلم آلا وهو “زادان مروخ الكوردي” الذي قتله عندما كان رئيساً للديوان لديه.
قارن ابن وحشية بين الأبجدية الكوردية تلك أي “ماصي صوراتي”، وبين الحروف العربية، وأكد على التشابه الكبير بينهما وتوصل إلى تأثيرها القوي على الأبجدية العربية، إذ أنها سبقت العربية، وأظهر لنا المقارنة بين مجموعة من الحروف.
الأبجدية الصورانية:
هي التطور الأخير للحروف الكوردية بأنواعها عبر التاريخ، والتي تتشابه مع الحروف الفارسية والعربية ذات المنشأ الميزوبوتامي الواحد كما أوضحنا ذلك سابقاً، وقد تم التأثير فيما بينها منذ سقوط الدولة الميدية على يد الاخمينين واعتمادهم على الديانة الزردشتية وحروف آفستا وقيام الدولة الاشكانية والساسانية وتحديث حروف آفستا بجعلها فهلوية وكذلك ماصي صوراتي. وباحتلال الاخمينيين والاشكانيين الفرس ومن بعدهم الساسانيين لكوردستان وبلاد العرب نقلوا إليها ثقافتهم ولغتهم خاصة الأبجدية الحالية ولكن مع تبلورها عبر محطات التغيير الحاصل لها عبر التاريخ، أذ نرى أحياناً لغويين عرب يقولون إن أصل حروفنا وأرقامنا هندية متجاهلين عن قصد بأن أصل الحروف الهندية هي نفسها آرية آفستائية لأن الهنديين آريون. كما أن للخط العربي شكل مازال يسمى بالخط الفهلوي.
الصورانية هي الحروف الكوردية التي تستعمل الكتابة الأبجدية العريقة وتكتب بثمان وثلاثين حرفاً كالآتي: ا، ب، پ، ت، ج، چ، ح، خ، د، ر(مرققة)، ڕ(مفخمة)، ز، ژ، س، ش، ع، غ، ف، ڤ، ق، ك، گ، ل (مرققة)، ڵ(مفخمة)، م، ن، ه(الفتحة)، هـ، و(صحیحة)، و(الضمة)، وو(علة)، ۊ(علة)، ۆ، یـ (صحیحة)، ی(علة)، ێ(علة)، (الكسرة = لا یوجد لها رمز ولكنها تلفظ ضمن حروف العلة وتقابل i في الابجدية الكوردية اللاتينية.
الحروف المتحركة – العلة – عددها 8 حروف ا (الألف)، ه (الفتحة)، و(الضمة)، وو(الواو)، ۊ، ۆ (الواو الممالة)، ی(الياء)، ێ (الياء الممالة)، (الكسرة = لا یوجد لها رمز ولكنها تلفظ ضمن حروف العلة تقابل i في الأبجدية الكوردية اللاتينية.
إن جميع أشكال الأبجدية الميزوبوتامية لم تكن منقطة، وكذلك بالنسبة للعربية بما فيها القرآن الكريم والفارسية والكوردية الصورانية حتى عهد الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب الذي طلب من اللغوي أبو أسود الدؤلي بوضع النقاط والتشكيل على الحروف. ثم بعد ذلك وضع العلامة سيبويه- الذي يحمل في اسمه معنى رائحة التفاح بالكوردية – النحو في اللغة التي سميت بعد مجي الإسلام باللغة العربية. كما أن أبا خليل الفراهيدي وضع للشعر بحور، علماً أن أولئك اللغويين ليسوا بعرب وإذا ما سألنا فارسياً أنكم خدمتم بذلك اللغة العربية ربما يجيب مستغرباً كلا نحن خدمنا لغتنا الفارسية، كذلك إذا ما قيل للكوردي الصوراني بأن أبجديتكم عربية قد يجيب غاضباً “كلا أنها كوردية أصيلة”.
الأبجدية الكوردية اللاتينية:
بالرغم من أن أثنية الشعوب الأوربية تعود مع الكورد إلى العرق الآري إلا أن الشعوب اللاتينية أوجدت لنفسها أبجدية غريبة عن أبجدية ميزوبوتاميا باستثناء تشابهها في بعض الحروف مع حروف كتابي (المصحف الأسود) و(جلوا) أي الأبجدية الزندية، وقد استخدم الكورد أشكالاً لأبجديتهم اللاتينية تعد تواصلاً لبعضها ولكن بسبب توزع الكورد خارج كوردستان وداخلها تطرأ عليها بعض التغيير منها:
حروف كوردية سريلية (كريلية):
السريلية للكورد في الاتحاد السوفييتي وعددها 32 حرفاً:
А، Б، В، Г، Г’، Д، Е، Ә، Ә́، Ж، З، И، Й، К، К’، Л، М، Н، О، Ö، П، П’، Р، Р’، С، Т، Т’، У، Ф، Х، Һ، Һ’، Ч، Ч’، Ш، Щ، Ь، ЭاQ، W
حروف كوردية اتحادية وهي 34 حرفاً
A، B، C، D، E، É، F، G، H، h’، I، Í، J، Jh، K، L، ll، M، N، O، P، Q، R، S، Sh، T، U، Ú، V، W، X، xh، Y،Z
وهذه الأبجدية أعلاه أبجدية سيداي جلادت أو أبجدية هاوار نسبة إلى مجلة هاوار، نسبة إلى العلامة الكورد ي جلادت بدرخان الذي كان ابن عصر يشهد تحولات متأثرة بالثقافة الأوروبية في فترة ما بين الحربين العالميتين التي شهدت اليقظة القومية في الشرق الاوسط عامة وكوردستان خاصة ولأن سيداي جلادت ينحدر بكورديته من شمال كوردستان المحتلة حينذاك – وماتزال- من قبل الأتراك الذين قادهم مصطفى كمال أتاتورك الذي استبدل الحروف الإسلامية العربية بالحروف اللاتينية، بالإضافة إلى صداقة وعلاقة بالمستشرق الفرنسي “روجير لسكو” به وإتقانه للغة الكوردية ، فضل الأبجدية اللاتينية وأوجد منها أبجدية من (31) حرفاً تتناسب إلى حد ما النطق الكورد ي سميت بالأبجدية الكوردية اللاتينية.
A، B، C، Ç، D، E، Ê، F، G، H، I، Î، J، K، L، M، N، O، P، Q، R، S، Ş، T، U، Û، V، W، X، Y،Z
ينتسب العلامة اللغوي الكورد ي جلادت عالي بدرخان إلى العائلة البدرخانية العريقة التي أسست إمارة كبيرة استمرت قروناً في جزيرة بوطان في شمال كوردستان ، وقد انشغل لسنوات بإيجاد أبجدية كوردية بمساعدة المستشرق الفرنسي “روجير لسكو” ليتمكن أخيراً من وضع أبجدية لاتينية عددها 31 حرفاً، وقد تكلل نجاحهما باستخدامها لأول مرة في مجلة هاوار التي صدرت في دمشق بتاريخ 15 أيار 1932م، لذلك يعد هذا اليوم عيداً للغة الكوردية ، ولكن الكورد الذين يتكلمون اللهجة الصورانية في جنوب وشرق كوردستان لا يحتفلون في هذا اليوم وهم يعتبرون الحروف الصورانية الأبجدية الكوردية الأصيلة.
كما أن المفكر الكوردي أوصمان صبري أضاف أربعة حروف على الأبجدية اللاتينية السابقة ووضع عنها كتاباً عام 1955 بعنوان “ألفباء كوردي”.
وفي الختام نقول:
بسبب الغنى الثقافي الدفين لدى الكورد تعددت اللهجات الكوردية التي لا تشكل عائقاُ أمام إيجاد لغة كوردية متحدة محكية شبيهة بالصورمانجية (من صوري وكرمانجي) خاصة إذا توفرت النوايا السليمة بين الكورد في ذلك المجال، ولكن ما نعاني منه حالياً وتشكل عبئاً ثقيلاً على لغتنا هو وجود أبجديتين كورديتين هما الصورانية واللاتينية اللتان تستوجبان علينا نحن الكورد التوحيد بينهما وذلك بإنشاء مجمع لغوي كوردي واحد لتلك الغاية.