قصة خياط حسيني في سوق مندلي الكبير

 

جاسم محمد شامار

كل الطرق في مندلي تؤدي الى السوق الكبير، لكنه كان يسلك طريقه المعتاد امام محلات القصابة. المشهد اليومي المعتاد بائعات القيمر يفترشن الارض، بابتسامته المعهودة، يسلم على اصحاب المحلات.

لم يكن عاديا ذلك اليوم في سوق مندلي، وما كان يعكس من مزاج واذواق ابناء المدينة مع المواسم. الايام التي كانت تسبق الاعياد كما الايام التي تسبق شهر محرم رغم، تناقضات الفرح والحزن كما تناقضات فصول المدينة وتناقضات الليل والنهار الا انها كانت تجمع ابناء المدينة، الباعة والمتبضعين. انه اليوم الاخير للاستعداد لشهر محرم.

كان يمتهن الخياطة لكسب العيش، ومهنة كهذه لا غنى عنها في مناسبات المدينة، الافراح او الاحزان. غدا ستعيش المدينة وابناءها موسم الحزن وتقاليد العزاء لشهادة الامام الحسين في كربلاء.

مندلي مدينة نائية على الحدود بعيدة عن كربلاء لكنها كانت تعشق (الحسين) (امام حسين). نخيل وتمور واسماء رجال واولاد باسم الحسين. وحناجر تصدح مع صوت الدفوف في تكية دراويش المدينة بحب الحسين وجد الحسين (يا رسول الله يا جد الحسين …كن شفيعي يا امام الحرمين)..

عاطفة الحب والحزن ممزوجة بروح الثورة والتمرد على الظلم، هكذا كانت شخصية الانسان المندلاوي بعلاقته مع الحسين …

في ذلك الصباح كان جو الحزن هو السائد في سوق مندلي الكبير. دكان الحاج بائع الحبوب والبقول مزدهر بالبضاعة، اكياس (الحبية) لصنع الهريسة واكياس الفاصوليا والرز، الوجبة الاشهر لطعام الخيرات.

دكاكين بائعي الاقمشة كانت الالوان السوداء والخضراء هي الطاغية. في الجانب الاخر من السوق كان صديقه الحلاق يلوح بيده له، رد التحية وفهم ما يقصد. يريد الاستعجال بخياطة ثوبه هذا اليوم.

كان هذا الحلاق يرتدي (ثوبا) اسود طيلة اربعين يوما منذ بداية محرم. استعجل الخطى لدكانه كان ينتظره العمل الكثير. قطع من القماش بألوان مختلفة لصنع الاعلام. او قطع من القماش الاسود لخياطة الاثواب. لكن قطعة القماش الاهم كانت تلك التي أعدها لابنه الكبير قد بلغ السابعة، سيصنع له علما ويشارك مع موكب العزاء للمحلة..

هذه الصور لستينات القرن الماضي كانت امام عينه وهي تذرف بحر من الدموع في سيارة الاسعاف وهو يحتضن ولديه الجريحين.

 

 

كانت مدينة بعقوبة هي المدينة التي التجأ اليها مع عائلته بعد الحرب مصطحبا معه ماكينة الخياطة، لم يكن يعلم انه سيعيش عاشوراء هنا هذا اليوم.

عاشوراء الموشحة بالدماء كما اجساد ولديه في تلك الظهيرة الحارة من الصيف،

الابن الاكبر كانت الرصاصات قاتلة في صدره!

العلاقة الروحية والعاطفية، ورمزية الشهادة، والعطش، والماء، والدم، جعلته يستذكر تلك الصور من محرم مندلي مع مشهد الامام الحسين وبين يديه ابنه علي الاكبر عطشانا ومضرجا بالدماء!!

لم يعد بإمكانه البقاء، الموت في كل مكان، شباب اخرون سقطوا مع ولديه في تلك الظهيرة المشؤومة. عاد الى مندلي ليقيم العزاء لابنه الاكبر في البيت القديم والحسينية القديمة، وفي صدره هموم واحزان تئن الجبال منها لو حملتها ((كم من همٍ يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة))… كلمات الامام الحسين في يوم عاشورا كانت خير تعبير لهموم الرجل في ذلك اليوم !

 

 

رجع الى مندلي ومع ماكينة الخياطة عاد ليخيط الاعلام في كل محرم في مكان منزوي بعيدا عن السوق الكبير، لم يبق من السوق الكبير سوى جدران متهالكة بأخاديد كتجاعيد وجه هذا الرجل بعد تلك السنين العجاف.

امنيته الاخيرة كانت زيارة الحسين. رحل بعد الزيارة عاشقا للحسين. رحل الخياط الاخير في سوق مندلي تاركا ماكينة الخياطة وجدران دكاكين السوق الكبير تحكي حكاية سنين من الجهاد والعشق والحزن والفرح.. رحل ومعه جروحه كما رفاقه في المهنة وبقية اصحاب الدكاكين.

رغم جروح مندلي الموجعة وجرح السوق الاكثر وجعا، الا ان ابناءها ما زلوا في كل محرم يرفعون اعلام الحسين وشعارهم (هيهات منا الذلة)..

 

قد يعجبك ايضا