الباحث: احمد الحمد المندلاوي
المقدمة: إذا جعل الكلام مثلاً، كان ذلك أوضح للمنطق وأبين في المعنى وأنَقُ للسمع واوسع لشُعُبِ الحديث.
فالمثل العامي هو خلاصة تجربة الأمة في معاشها ومعادها، يعبر عنها بجمل قصار بليغة يقتصر المسافات الطويلة من الحديث والسجال، وخلاصة يكون فيه الدرس الأول للأجيال والموعظة الحسنة للسمع والقارئ، يؤتى به في الوقت المناسب و ينال رضى المستمعين وإعجابهم والأمثال هي حكم ونصائح ومواعظ قالها حكماؤنا المجهولون – الا ما ندر- تتناقلها الاجيال، وقد تقابلها أمثال من أُمم أخرى لوحدة التفكير لدى الانسان ،والمثل في كل لغة خلاصة الحكمة فيها، يتجلى فيه القول المأثور في ايجاز، كثيراً ما يبلغ حدَّ الاعجاز، و من ثمة سريانه على الألسن، و شيوعه في الناس، وتكاد هذه الأمثال الدارجة لا تكون وقفاً على الشعب الكوردي ،بل قد يجد الشغوف بالمقارَنة نظائر لها، لا في البلدان العربية فحسب، بل حتى في اللغات الحيَّة الاخرى.
ولا بدعَ في ذلك فاللمحات الروحية والومضات الذهنية عالمية المدى، والمجتمع المندلاوي له قاموسه المثلي أيضاً مستخلص من بيئته وأبنائه، حاولتُ أن أجمع من تلك الأمثال نتفاً من أفواه قائليها سيما كبار السن منهم، ولاحظتُ بأنّ لها مثيلات في آداب الأمم الأخرى فلا أدري أية أمة أخذت من أختها فهذا ما يحتاج الى بحث وتدقيقٍ ،لا سيما ان تاريخ مندلي يعود الى أكثر من ستة آلاف سنة، وهنا نأتي بباقة من تلك الأمثال الكوردية التي يتداولها أهالي مندلي لما فيها من عبر وأثر في الحياة مأخوذة من طبيعتها الجميلة ،و تاريخها العريق :-
- (زوان شرين مار وه كونا ده ركه یگ)
ويعني:”اللسانُ الطيبُ يخرجُ الثعبانَ من جحرِهِ “، وورد بصيغة أخرى: (زوان شیرين مار ده كونا درارى) يدعو هذا المثل الى الكلام الطيب ومعاملة الآخرين بالرفق واللين، ويقابله المثل البغدادي:
“اللسان الطيب يطلّع الحية من الزاغور” والزاغور: الجحر في الدار.
وجاء في الحديث المأثور عن النبي “ص”: “الكلمة الطيبة صدقة”.
وعن الامام جعفر الصادق”ع” في هذا الباب: عوّد لسانك قول الخير تحظ به
إنَّ اللسان لمـا عودتَ معتادُ، ويعادله المثل الإنكليزي:
“الجواب الرقيق يسكت الغضب” ،وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
يَنالُ باللينِ الفتى بعضَ ما يَعجَزُ بالشَّدةِ عنْ غَضبِـهِ
ومن أحسن ما قيل في هذا المجال بل مطابقاً لمثلنا أعلاه قول بعضهم:
لم أرَ مثل الرفق في يمنِـهِ يستخرجُ العذراءَ من خدرِها
من يستعنْ بالرفقِ فِي أمره يَستخرجِ الحيَّـةَ من جحرِها
وما أجمل ما ورد في القرآن الكريم في هذا الباب: {ألم ترَ كيفَ ضربَ اللهُ مثلاً كلمة ًطيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ*تؤتي أكلَها كلّ حين بإذنِ ربِّها ويضربُ الله الأمثالِ للناسِ لعلهم يتذكّرون}
2- (نان خوه ر وسفره درِ)
ويعني:”يمزّقُ الخُوانَ الذي تناولَ الطعامَ عليه”، ويطابقه المثل الفارسي:”نمك خوردى نمكدان شكستى” أي: “تناولت الملح وكسرت المملحة”، وبصيغة أخرى: “هرجا نمك خورى، نمكدان مشكن”
ويعني:” أين ما تناولت الملح، لا تكسر المملحةَ”، والملح كناية عن الزاد، وعن ذكر الملح قال رسولنا الأكرم “ص” في وصف أصحابه: “مثل أصحابي مثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام الا بالملح” كنز- للعلامة المتقي الهندي ومثلنا يوافقه قول عبد الله بن الزبير:”أكلتم تمري، وعصيتم أمري”، ويدعو مثلنا الى إكرام الزاد ورد الجميل؛ ويستقبح اللؤم والاساءة الى من أحسن اليك.
وهناك مثل نيوزلندي يشبهه: “لا تكن كالبعوضة التي تعض صاحب المنزل الذي تعيش فيه ” والمثل يدعو الى احترام صاحب الزاد وهو نوع.
من مكارم الأخلاقِ، وطالما يُقال للأطفال والصبيان الذين لا يهتمون بشؤون المنزل، بل يهمهم الأكل واللعب، لذا يقول الأب هذا المثل لأولاده الصغار ممزوجاً بنوع من المزاح: (نان خوه ر وسفره درِ).
3- (ئويشم نيرطة ئوشيد بدوشةى )
ويعني: ” أقول له فَحْلٌ يقولُ إحلبْه”، يقال هذا المثل لمن لا يفهم ما يقال له، ويصرُّ على فهمه الخاطئ للكلام. وثمة في العربية مثيل لذلك يقول المصريون: “اقول له ثور، يقول احلبه”، وهو ضرب من العناد والغرورو الإصرار على الخطأ، والمثل يدعو الى ترك هذه العادة السيئة.
وقال أحد الشعراء ساخراً من موقف عايشه:
أنّ الذي يرتجي نداك كمن يحلبُ تيساً من شهوة اللبنِ
وأجمل ما قيل في هذا المضمار قول الإمام علي (ع): “من كذَّب ذهبَ بماء وجهه، ومن ساءَ خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أهونُ من تفهيم من لا يفهمُ ” وقال “ع” في هذا الباب: “الجاهل صخرة لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضرُّ عودها، وأرض لا يظهر عشبها”.
وهناك مثل شائع لدينا في العراق إذ يقول: “عنز ولو طار”، ويدعو مثلنا الى عدم السجال في الأمور التافهة والإذعان الى واقع الحال المدعوم بالعقل والبصيرة.
4-(دةنط دوهلأ وة دوير خوةشة)
ويعني: “نقرُ الطبلِ جميلٌ من بعيدٍ”، يُضرب هذا المثل لمن يسمع عن أشياء سرعان ما يَنبهرُ يؤمن بها ويحسبها جميلة ونافعة ويحاول تطبيقها دون رويّة وتفكير، أي يدعونا هذا المثل الكوردي الى التأني في اتخاذ القرارات، وعدم حسم الأمور بسرعة، ويقابله المثل الفارسي في نفس المعنى: “آواز دهول أز دور خوش است،” ويعني: “لحنُ الطبلِ جميلٌ من بعيدٍ” أو “موسيقى الطبل جذابة من بعيد”، وكذلك يقال شعبياً في عراقنا الحبيب هذا المثل:
“على حس الطبل خفن يا رجليَّ “،و يطابقه هذا البيت من الشعر العربي:
شبيهُ الطبلِ يدوي من بعيدٍ وداخلُهُ من الخيراتِ خالِ