يوسف الأومري
هو طاووس بن كيسان الهمداني، قيل اسمه ذكوان وإنما لقب بطاووس لهيبته ولعلو فقهه، ولأنه كان طاووس الفقهاء، والمقدم عليهم في عصره، يماني المولد، كوردي الأصل، من التابعين، محدث ثقة، وفقيه فاضل، وعابد زاهد، وحجة حافظ.
اختلف في تاريخ مولد هذا التابعي رضي الله عنه، يقول الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ «أراه ولد في دولة عثمان رضي الله عنه، أو قبل ذلك» وعبارة الذهبي هذه، توحي بأنه ولد في خلافة عثمان ويحتمل أن يكون في آخر خلافة عمر، والاحتمال الأقرب أن يكون ولد قبل ذلك، في أواسط خلافة عمر رضي الله عنه، فقد ذكر أنه توفي سنة 106هـ على الأصح، عن بضع وتسعين سنة من عمره. أما خير الدين الزركلي فقد حدد في كتابه: أن طاووسا ولد سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة مئة وست للهجرة، وهذا القول يتفق مع رأي من قال: إنه توفي عن بضع وسبعين سنة، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله.
ولد طاووس ونشأ باليمن، وأدرك خمسين صحابيا، سمع من زيد بن ثابت، وعائشة، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس الذي لازم وصاحب لفترة طويلة، وتأثر بمنهجيته في العلم وفي المواقف أيضا، فكانت أكثر روايته في الحديث وفي التفسير عنه، حتى عد أكثر تلامذته حفظا للمأثور عنه، وكذلك سار على دربه في تجنب خلفاء بني أمية، إلا ما افترضته عليه أمانة النصيحة والطاعة لولي الأمر. كما روى عن جابر، وسراقة بن مالك، وصفوان بن أمية، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وطائفة آخرون…
روى عنه ابنه عبد الله بن طاووس، إبراهيم بن ميسرة الطائفي، وأسامة بن زيد الليثى، وحبيب بن أبى ثابت وعطاء، ومجاهد، والحسن بن مسلم، وابن شهاب، وأبو الزبير، وخلق كثير سواهم…، وحديثه في الكتب الستة، وهو حجة باتفاق.
كان ذكوان من خير الدعاة إلى الله، وكان لا يعدم وسيلة إلا وظفها لهذا الغرض، ولقد علمته المدرسة المحمدية أن الدين النصيحة، فكان لا يخاف في قول الحق، ونصح الولاة والأمراء لومة لائم. وكما ذكرنا سابقا فطاووس لم يكن مفسرا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك محدثا وفقيها، وأصح الأسانيد إلى طاووس هي: ما كان من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، كما أن هناك طرقا أخرى صحيحة.
كان طاووس يحج بيت الله، وكانت الحجة الأربعين له؛ وبينما هو مع الحجيج في مزدلفة، وقيل يوم التروية، فاضت روحه إلى بارئها، ولقي الله، محرما، ملبيا، بعد حياة حافلة بالعلم الغزير، والأعمال الصالحة، والدعوة إلى الله تعالى. وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك الذي كان حاجا في ذلك العام. فكانت وفاته سنة مئة وست للهجرة على الصحيح. رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.
روى الإمام الزهري:
أن سليمان بن عبد الملك رأى فى الحج رجلاً يطوف بالبيت له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهري؟ قال: هذا طاووس، وقد أدرك عدة من الصحابة، فأرسل إليه سليمان، فأتاه فدخل عليه في قوة المؤمن، وإيمان القوي، لم ينخلع قلبه فزعاً، ولم يسل لعابه طمعاً.
فقال له: لو ما حدثتنا؟ وقال طاووس في نفسه: هذا مقام يسألني الله عنه، فلم يكن حديثه إلى الخليفة حديث الخائف أو المادح، إن المدح والإطراء بضاعة الشعراء لا بضاعة العلماء، ومهمة العالم أن يوجه وينذر لا أن يحرق البخور، فماذا قال طاووس؟ قال: حدثني أبو موسى قال: قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم)
((إن أهون الخلق على الله عزَّ وجل من ولي من أمور المسلمين شيئاً فلم يعدل فيهم)) والحديث ناطق ناصع لا يحتاج إلى تعليق. فتغيَّر وجه سليمان وأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: لو ما حدثتنا؟
قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: إن لكم على قريش حقاً، ولهم على الناس حق، إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً).
وتغيَّر وجه سليمان للمرة الثانية وأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليه وقال: لو ما حدثتنا؟
فقال: حدثني ابن عباس: أن آخر آية نزلت من كتاب الله:
[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] {البقرة:281}
وكذلك يكبر العالم بعلمه وإيمانه ويرتفع حتى يصير كالجبل، ويتضاءل أمامه الأمراء والخلفاء حتى يصيروا كالذباب. وإنما جرَّأه على هؤلاء أنه لم يكن يطمع في شيء عندهم، ولا يخافهم على شيء عنده، وفيم يطمع؟ وعلام يخاف؟ الناس يطمعون في دنيا الأمراء، وهو استدبرهم وراء ظهره، ويخافونهم على الرزق والأجل، وهو يعلم أن ليس في أيديهم من أمرهما شيء، حتى يأمل منهم الزيادة، أو يخشى منهم النقصان.
التحرر من الخوف والطمع، والرغبة في وجه الله وحده هما مفتاح تلك الشخصية الفارعة، وقد قيل: إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله خوَّف الله منه كل شيء)).
قدم طاووس بمكة، وقدم إليها أمير المؤمنين فقيل لطاووس: إن من فضله، ومن… ومن… فلو أتيته؟ قال: مالي إليه من حاجة، فقالوا: إنا نخافه عليك! قال: فما هو إذن كما تقولون! وصدق طاووس. فأي فضل لحاكم يخشى الناس بطشه وأذاه أن يمتد إلى العلماء والهداة!!