رحلة الديك الأخير

 

جاسم محمد شامار

في الفناء الخلفي لبيت مندلاوي قديم كان الريش مع حبات القمح متناثرا في كل مكان. الفخاتي والعصافير كانت تشارك الدجاج في الطعام …

بقعة من الارض بين جدران طينية فيها تنور طيني واكوام من الحطب لصنع الخبز تتخذه الدجاج مكانا للتبيض والاختباء. نخلة وشجرة توت عالية تورق في الربيع وتصنع ظلا في الصيف تلوذ به الطيور عند الظهيرة.

كان هذا عالمه المفضل منذ الطفولة..

في مدينة شرقية موغلة في القدم مزيج من تراث الفلاحة والريف وعراقة المدنية والحضارة. كان في متناول الجميع ما يشتهون من لذيذ الطعام.

مزارع وبساتين واسواق ومطاعم، الا ان للبيض سطوته في وجبة الافطار. او مع التمر والدبس في الظهيرة او للعشاء.

في فناء البيت الخلفي كانت لحظات سعادته حين تأتي طيور الزرزور مع الشتاء، تشارك الدجاج الطعام وتضيف رونقا للمكان. او حين يجد البيض تحت اكوام الحطب او حين تفقس البيوض وتخرج الفراخ.

في كل موسم كانوا يختارون من الفراخ ديكا ليكون سيد الفناء. يصيح عند الفجر او عند بقية اوقات الصلاة، او عندما يسمع صياح الديكة من بيوت الجيران.

في الموسم الاخير مع الحرب اسكتت المدافع اصوات الديكة في المدينة. وديك ذلك الموسم مازال فتيا بريشه الجميل المتناسق يزهو بالمكان.

كان عليه السفر لمعسكر الجيش الذي يخدم فيه بالقطار. وجد متنفسا من وحشة الغربة وقساوة الجيش ان بعض الجند سبقوه بجلب بعض الطيور للمكان. ستعمل الطيور رصدا لأسلحة الغاز السام.

اصطحب معه الديك لمحطة القطار. في رحلة القطار الليلية كان الجميع نيام استيقظوا على صوت صياح الديك بين ضحك واستغراب!

وحده لم يشاركهم الغربة بل عاش لحظات فناء البيت الخلفي، شجرة التوت، البيض تحت اكوام الحطب والريش المتناثر في المكان.

كانت الطيور تحلق طول النهار في سماء المعسكر ترصد الموت القادم، والديكْ يسبقهم ويسبق صوت بوق النهوض للجند، عند الفجر يكسر الصمت بصياحه وكأنه سيد المكان: (حي على الصلاة…) ولسان حالنا يقول: (حي على السلام…)

————-

انتهت الحرب اللعينة يومًا وأخذت ما أخذت من الجنود، وعاد السلام من جديد، وشجرة التوت باقية في مكانها تورق في كل ربيع وتلوذ بأغصانها العصافير والفخاتي بسلام في ارض السلام…مدينة السلام.. اميرة السلام …مندلي السلام.

 

قد يعجبك ايضا