د. توفيق رفيق التونچي
54 عاما مضى على اهم حدث في تاريخ العراق والعراقيين الحديث بجميع قومياتهم وطوائفهم . هذا الحدث لو قدر له النجاح والاستقرار والاستمرار لكان العراق غير عراق اليوم انه يوم الحادي عشر من آذار من عام 1970. اذار المسمى في الاتينية ب اله الحرب “مارس” وعندنا شهر النرجس، آذار حلبچة، آذار نوروز و آذار كوردستان.
انه عام 1970 كنا طلبة إعدادية نصرخ ونحن نمر من امام المنصة التي وقف عليها رجال الثورة الكوردية كاك مسعود واخيه الشهيد كاك ادريس يحيون الجماهير مع اخرون. تلك المنصة التي شاهدت خطابات الزعيم عبد الكريم قاسم الحماسية والطويلة كالتي في ذلك اليوم الاذاري ، مكانا يقف عليها رجال العهد الجديد وفي مقدمتهم الرئيس العراقي المرحوم احمد حسن البكر الذي جاء الى سدة الحكم بعد انقلاب البعث الثاني والتي سميت ب (الأبيض) يوم ١٧ من تموز من عام ١٩٦٨ ووعودهم بعراق جديد وبحكم ذاتي لكوردستان.
منذ ان حلم عباس بن فرناس بالطيران الى ان طار احد اخوان رايد دقائق مرتفعا بطائرته بعيدا عن تراب الارض وهبط بسلام، هناك طريق طويل مليئ بالمصاعب. ما يجعلنا الاعتقاد بان تلك الدقائق القليلة من الطيران فتحت افاقا واسعة لا نهائية لها في عالم لا نعرف ولا نتكهن نهايتها. العراقيون سبقوا عباس بن فرناس في حلمهم بالطيران فحلموا ب بساط الريح وعليها سندباد و شهرزاد يطوفان حول منائر بغداد ويهبطان بسلام كيأجوج و مأجون في بابل ويزوران زوزك والابلة و عانة و حلبجة في امان عاما بعد عام. نعم ما كان يحلم به سندباد والغول الذي كان يمتطيه في رحالاته بات حقيقة. لكن الحكاية لا تزال في بداياتها نحن امام تحقيق رحلات سياحية الى القمر قريبا وربما في القرن الثاني والعشرون سنجوب السماء في رحلة الى المريخ والكواكب الاخرى. اما زياراتنا الى كوكب المريخ فيحتاج الى وقت اطول لان المسافة اطول رغم كونها الأقرب الى الارض بعد القمر لكنها اي السفرة ستكون حقيقة كما أصبحت اليوم الطيران حقيقة. لا ريب ان جميع العقائد الدينية تذكر في نصوصها المقدسة وجود كائنات تستطيع الطيران نحن نسميهم الملائكة في الديانات التوحيدية الثلاث. كذلك ذكر هبوط ادم و زوجته مع ذريته من السماء والتقائهم معا في الأراضي المقدسة في الحجاز.
الجدير بالذكر ان الحلم بالمعجزات حالة طبيعية عند البشر. ان كانت تلك الأحلام من احلام اليقظة او اثناء النوم. كتابتي هذه اكتبها وانا جالس في الطائرة اتذكر ذلك اليوم الربيعي من اذار واتمعن في ربوع كوردستان وما حمله السلام من تطور واستقرار وطمأنينة . تلك الطائرة وهي تجوب سماء اوربا وانا ارى مدينة باريس تحت أقدامي تتالالئ مصابيحها في هذه الليلة الشتائية في رحلة في سماء الكوكب الارضي من صقيع شمالها القطبي الى سواحل الشمس على ضفاف البحر الابيض المتوسط في الاندلس، الغالية. افكر في ذلك الشاب الحالم الذي كان يدور في ازقة شارع الرشيد و عقد النصارى وراس القرية ويطوف بفكره طائرا على سطوح البيوت البغدادية في صوبيها الرصافة والكرخ. كيف رمى به الدهر في القطب المتجمد الشمالي.

حين افتتح حديقة الزوراء في بداية السبعينات من القرن الماضي في صوب الكرخ ببغداد جاءوا بعدد من الطائرات القديمة وحولوها الى مطاعم وفي الصورة اعلاه احدى تلك المطاعم وربما كانت تسمى مطعم الطائرة او مطعم ابو علاء ولا اتذكر السنة وربما كانت في بداية السبعينات ١٩٧١ لاني تركت العراق بعد ذلك بحوالي العام. ليس من السهولة استذكار تلك الايام ولكننا اذا اسميناها ب “الزمن الجميل” في تاريخ العراق لا نحيد عن الصواب. كانت فترة استقرار في سفينة الوطن مع وجود.حرية سياسية نسبية وانتشار مقرات الأحزاب السياسية ومنظماتها الطلابية والشبابية وكانت ١١ من اذار واحتفالات نوروز في صدر القناة وبين غاباتها.
أقول كانت حلقات الدبكة الكوردية واصوات الطبول والمزمار تسمع صداها على سفح جبال حمرين و زوزك و بيره مكرون
راجع كذلك مقالنا حول الموضوع تحت الرابط التالي:
حيث كان اهالي العاصمة ومن كافة القوميات وخاصة الكورد يزينون تلك الربوع الخضراء بملابسهم الجميلة رجالا و نساء ناشرين الفرح والسرور في نفوس الناس.
في ذلك اليوم ما كان حلما تحقق للكورد بعد نضال طويل ولو كانت لفترة قصيرة وعاش العراقيون اياما مليئة بالأفراح قبل ان تبدا سلسلة العنف والارهاب والخطط الارهابية في قبو السجون والمعتقلات وأقبية دوائر الامن العراقية بقيادة القائد الضرورة مما ادى الى وأد و اختفاء ذلك الحلم. انفجر ذلك الحلم كفقاعة صابون في سماء الوطن وبدا دولة الإرهاب والحروب يبث نار الحقد في المجتمع العراقي والذي كانت من نتائجها حربي الخليج و حروب كوردستان وصولا الى احتلال العراق عشية ٢٠٠٣ وانهيار الكيان السياسي العراقي.
سلاما لذكرى يوم الحادي عشر من اذار، عاما تلو العام.
سلاما جبال وربى كوردستان.
تحية محبة وإجلال لأروح جميع شهدائنا
. الحادي عشر من اذار ٢٠٢٤