كرم نعمة
مازال بيننا وبعدد أكثر مما يمكن تصوره من صحافيي الطراز القديم، يكتبون بأفكار وأدوات لم تعد تتناسب مع فكرة صناعة الرأي اليوم، أو كأنهم لا يطلعون على ما يتدفق بكميات هائلة من كتابات المدونين كمواطنين صحافيين يمتلكون القدرة والحس في التقاط الأفكار بطريقة مفيدة
صحافة الطراز القديم متوفرة بكثرة ليس فقط على المدونات الخاصة على فيسبوك أو المواقع الإلكترونية رديئة التحرير والنشر، بل في صحف شهيرة، مثل هذا الأمر انتبه إليه الدكتور هيثم الزبيدي في مقال سابق عن المتعة الغائبة في المقال الصحافي، فثمة خلل ملموس في ما يكتب ويقدم على أنه مقالات: “تقنية الكتابة لا تقل أهمية عن الأفكار والآراء وهي من مقاتل الكتابة السياسية والثقافية في مطبوعاتنا. من طول الجملة إلى طول الفقرة، إلى علامات التنقيط، إلى الارتباك في الصياغة الخاصة بالجملة، هذه كلها أساسيات لا تجد الكثير من الاهتمام لدى كتاب المقالات .”
لم يعد إنتاج الصحيفة يقوم على فكرة متشابهة يديرها عدد محدود من المحررين في غرفة أخبار صغيرة، ومطبوعة صغيرة باللونين الأبيض والأسود، ثمة ما هو أكثر من ذلك بكثير، في صناعة الأفكار وتداولها بطريقة لم تعد تتناسب مع صحافة ذات طراز قديم، وفق قول جوليا كاجيه، أستاذة وسائل الإعلام في كلية العلوم السياسية الفرنسية .
لا أعني في ذلك فقط المهارات التكنولوجية في إعداد وتنضيد النص المكتوب والاهتمام بعلامات التنقيط، الشكل جزء مكمل للنص حتى قبل أن يصمم في متن الصحيفة، لأنه يعبر عن حس الكاتب في التعامل مع دلالة الكلمات، ويقدم مساحة مريحة للمحرر في قبول النص .
مازال صحافيو الطراز القديم غير قادرين على الاهتمام بنصهم، وكأنهم يكتبون بخطوط رديئة على ورق رمادي من مخلفات الجريدة التي رسخت في ذاكرتهم !
ليس هذا فقط، الأفكار الجاهزة صارت ميزة بالنسبة إليهم، وإعادة الجمل المكررة والمعروفة نوع من الثقة الباردة في استكمال النص، مثل هذا الأمر يعبر بامتياز عن صحافة الطراز القديم .