الكاتب / احمد جمال
أحدث ظهور بعض المواقع الإلكترونية حراكا إعلاميا في مصر، ووجدت هذه المواقع مساحات من الحرية جعلتها قادرة على تقديم محتوى غاب كثيرا عن وسائل الإعلام الحالية، في مؤشر يوحي بتطورات إيجابية في الفضاء العام، وسط حالة من الحذر انتظاراً لتقييم التجارب الجديدة والتعرف على مدى قدرتها على خوض معارك صحفية تستعيد بها مكانة فقدت لصحف ومواقع خاصة .وشهد سوق الإعلام المصري أخيرا انضمام “بوابة الحرية” و”حرف 24″ و”الموقع” و”مصر الآن” ومنصات نجحت في التسويق لنفسها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتقدم ألوانا صحفية حديثة، بعضها يركن إلى الذكاء الاصطناعي والاهتمام بالقصص الصحفية الشيقة وتزامن ظهور المنصات الجديدة مع حالة التفاؤل التي تسود الوسط الصحفي عقب إجراء انتخابات نقابة الصحافيين في مارس الماضي، والتي أسفرت عن فوز المعارض خالد البلشي، وإدراك مجلس النقابة الجديد لضرورة التعامل مع مؤسسات الدولة بما يخدم مصالح الصحافيين دون الدخول في صدامات مع جهات حكومية .
وقدمت الحكومة إشارات إيجابية بانفتاحها على بعض المواقع الإلكترونية التي تحمل خطًا معارضَا دون أن يكون ذلك لخدمة جهات أو دول خارجية، وبدا ذلك في رفع الحجب عن موقع “درب” الذي أسسه ورأس تحريره خالد البلشي، ما شجع تجارب أخرى على الظهور تماشيًا مع حالة سياسية تبدو أكثر انفتاحا .
وعلى الرغم من وجود منصات رقمية وصحف ومجلات وفضائيات عديدة ظلت النزعة المعارضة غائبة أو بالأحرى مغيبة، ما دفع صحافيين يتحلون بالجرأة إلى السعي لملء هذا الفراغ بتجارب تعرّف نفسها للجمهور بأنها تملك قدرا من الاستقلالية وترفع سقف الحرية في تناول القضايا المختلفة .
قال رئيس تحرير بوابة “الحرية” عمرو بدر إن المناخ السياسي في مصر بات يسمح بوجود تجارب صحفية جديدة مع انطلاق الحوار الوطني، وبغض النظر عن مخرجاته فإن استمراره يعبر عن إعلاء قيمة النقاش، كما أن الحالة الاقتصادية الضاغطة تفرض وجود مساحة جيدة من الحرية يمكن توظيفها في تقديم صحافة جادة ..
وأشار بدر، وهو عضو سابق في مجلس نقابة الصحافيين، إلى أن الموقع يجهز للحصول على تراخيص مماثلة من الهيئة الوطنية للإعلام، وعلى مستوى العمل المهني لم يواجه مشكلات حتى الآن مع رفع سقف الحرية وفقًا للمساحة التي اتفق مؤسسوه عليها سلفا، مؤكدا أن الأجواء تميل نحو دعم الحريات الصحفية الرصينة .
وما يدعو للتفاؤل ويشجع التجارب الجديدة أنه يمكنها الحصول على عوائد دولارية من منصات التواصل الاجتماعي إذا استطاعت أن تصمد في العمل بعد توثيق قنواتها على المنصات الرقمية المختلفة، وهي خطوة مهمة في مجال التمويل، يتبعها تواجد على محركات البحث والاستفادة من إعلانات غوغل، وقد يفتح ذلك الطريق لجذب مستثمرين من أجل دعم مواقع إخبارية تحقق أرباحا فعلا، وتدعم تطوير محتوياتها.
وأكد رئيس تحرير موقع “حرف 24” خالد كامل أن المواقع الصاعدة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا وسط زحام شديد لمصادر المعلومات وانتشار منصات التواصل، وتستهدف المواقع توثيق ما يتم نشره من مضامين التزامًا بميثاق الشرف الصحفي واللوائح والقوانين التنفيذية، أملا في الارتقاء بالقوة الناعمة المصرية باعتبار أن الصحافة إحدى أبرز أدوات التنوير ونشر الوعي المجتمعي ..
وأشار كامل إلى أن الادعاء بالمنع والحظر سمة سهلة لدى الكثير ممن لا يتحملون عناء البحث عن المعلومة وتوثيقها بما يتماشى مع الحدود الآمنة التي تتفق مع أهداف الأمن القومي ولا تصطدم بأسرار الدولة، موضحًا أن الموقع يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي والصحافة “الروبوتية”، ولا يبذل المحررون جهداً في تنسيق العمل الصحفي ليكون بارزاً في صفحات البحث وتُترك المهمة للذكاء الاصطناعي .
ومثل هذه المنصات لا تبقى هدفًا مستمراً مع عدم اعتراف نقابة الصحافيين في مصر بالعاملين فيها، وتبقى الصحف الورقية الحاصلة على تراخيص عمل محلية هي الأكثر فاعلية بالنسبة إلى الصحافيين الشباب، لأنها تضمن التحاقهم بالنقابة التي لم تقم بعد بتقنين عمل المواقع الإلكترونية وتسمح بدخولها مباشرة .
وقال نقيب الصحافيين الأسبق يحيى قلاش إن “المواقع الإخبارية الجديدة من المفترض أن تكون رئة للصحافة في مصر، لكن ظهورها في أجواء بحاجة إلى المزيد من الانفتاح يجعلها تشبه من يحاول البحث عن أي منفذ للظهور، ونجاحها يتوقف على مدى تقبل الحكومة لما تقدمه من محتويات صحفية جريئة .
وأضاف قلاش في تصريح أن “ميلاد المواقع الجديدة عامل إيجابي ويحمل طابع المغامرة، لأن أيا منها قد يتعرض لمعوقات أثناء العمل، وهو أمر لا يحقق الاستقرار الاقتصادي المطلوب للمؤسسات الصحفية، وبالتالي فإن المستثمرين ينفرون من تمويل مثل هذه المنابر، ومن لديهم القدرة على التمويل ينظرون إلى الصحافة على أنها استثمار خاسر وينفضون من حولها ويرفضون السباحة ضد التيار ويتفق الكثير من أصحاب التجارب الجديدة والعديد من العاملين في الصحافة على وجود أجواء في الإعلام تختلف عما كانت عليه سابقا، ويعتقدون أن ذلك يتماشى مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وحاجة الدولة إلى خلق مزاج عام يدعم المنافسة .