محمد الحجيري
من الأخبار المثيرة للانتباه تلك التي ترد من كواليس الوسط الفني. مهور بعض الفنانات تتخطى ملايين الدولارات أحياناً. كما أنهن يتسابقن إلى تسريب الأخبار عن قيمة مهرهن، باعتبار أن ارتفاع المهر يزيد من قيمتهن، على الأقل في الوسط الفني.
الفنانات قد يكنّ نموذجاً “يُقتدى” في اللاوعي الاجتماعي والشعبي لفئة من الناس. هنّ عبارة عن ثقافة المهر في العالم العربي، التي تبدلت بين الماضي والحاضر، ولكنها بقيت مرتبطة في عيون من يؤيدونها ومن يرفضونها، بتحديدها لـ “قيمة” المرأة. لا يمكن وضع معيار محدد لثقافة المهر، فهذه الكلمة “مطاطة” تختلف وقائعها ميدانياً.
لا شك أن الجميع ينصاع لتقليد المهر في العالم العربي والاسلامي، سواءً بشكل رمزي أو بطريقة فاحشة، سواء أكان العرسان من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت أو من أبناء العشائر البدوية، ولكنه يفرض نفسه بشكل أساسي في لحظة الخلاف بين الزوجين وعند طلب الطلاق. حينها فقط، تظهر الأمور بشكلها الجلي.
سارة أحبّت شاباً لعشر سنوات وتزوجت تبعاً لتقاليد مجتمعها ودينها على مهر قدره 25 ألف دولار. لم تكن تفكر في لحظة زواجها بالمهر أو ما شابه، ولكن وجود عائلتها وعائلة العريس كشهود فرضه ضمن المعادلة. حين سألها الشيخ عن المهر، أجابت سارة: “ليس مهماً”، ولكن سرعان ما تدخلت والدتها ووالد العريس معترضين: “هذا حقك، لا يجوز التفريط به”.
انصاعت لرغبات الأهل حينها. ولكن زواجها لم يستمر لأكثر من عشرة أيام، حين اكتشفت أن زوجها يخونها. أمام هذا الواقع الجارح تخلّت له عن كل شيء، وعادت إلى منزل عائلتها. كانت تريد الخلاص، لا المهر. تقول في قرارة نفسها إن أخْذَ المهر الذي هو “حقها” إهانة لها، فهي ترفض أن تأخذ شيئاً من الشخص الذي خانها.
محمود شاب مسلم تزوج من فتاة مسيحية إسمها ريتا عن طريق ما يعرف بزواج “الخطيفة”. حين تمّت المصالحة بين عائلتيهما، وافقت عائلة ريتا على إتمام الزواج على الطريقة الإسلامية. كان قلق العائلة الأساسي يتمحور حول فكرة أن المسلم يستطيع أن ينهي ارتباطه بزوجته ببساطة عبر كلمة “أنت طالق”، من دون أن يردعه شيء. أمام هذا التخوف، لجأ محمود إلى كتابة مهر برقم خيالي لريتا حتى يطمئنها إلى أنه لن يفكر في الطلاق يوماً. لاحقاً، قال له صديقه ممازحاً: “إن الذي يريد أن يطلق زوجته، يكفي أن يصفعها فتترك له كل شيء”، في إشارة إلى أن الزواج لا يسنده المهر.
لا يمكن وضع المهر في إطار نمطي محدد، لكن ما يمكن قوله إنه تقليد “متخلف” بقي ساري المفعول بأشكال جديدة و”حداثوية”. قد يعود اختلاف عادات الزواج بين اليوم والأمس إلى زمن العولمة وطوفان الإنترنت وانفتاح الشبان والشابات على بعضهم البعض.
مع أن المبرر الموضعي لتقليد المهر انتهى، جراء تبدل أنماط الحياة ودخول المرأة مجالات التوظيف والعمل واستقلاليتها التامة أحياناً، لكن المهور ما زالت حاضرة بقوة وأكثر من الماضي. تبدلت أنماط الحياة لكن المجتمع العربي ما زال يتبع تقليد المهر كطريقة لحماية مستقبل البنات في حال الطلاق، وبات ارتفاع المهر في بعض المناطق سبباً من الأسباب الأساسية للعنوسة.
رغم تصنيف قرى محافظة أسيوط المصرية على أنها تعيش تحت خط الفقر، لكنهم يشتهرون بوضع أسعار مرتفعة لمهور الزواج، ولهذه الأسباب سجلت أسيوط الحد الأقصى في نسبة العنوسة عربياً. أسيوط هي نموذج عابر عن مصر التي تعاني بشكل عام من أزمة زواج وفقر، وهي مثل كثير من البلدان العربية التي ما تزال بعض مناطقها محكومة بالعادات والتقاليد والأعراف.
في موريتانيا، مثلاً، يرى المهتمون بقضايا الزواج، المهر، ما يدفعه الزوج إِلى زوجته بعقد الزواج، ويسمونه في اللغة الدارجة “المقدم والمؤخر” أو “المعجل والمؤجل” أو “البند الجزائي” بحسب القانون، يعتبر من التقاليد المتعارف عليها، وتأتي أهميته من كونه ليس مجرد جانب أساسي في الزواج فقط، بل يرتبط بقيم اجتماعية وتقليدية في مختلف البلدان العربية وحتى الأديان من الإسلام إلى الأيزيدية.
ماذا عن الشرع الإسلامي؟
لم يضع الشرع الإسلامي حداً لأقل المهر وأكثره، والمعيار في ذلك قدرة كل رجل واستطاعته. على أن الإسلام رغب في تيسير المهور، واعتبر أكثر النساء يمناً وبركة، أقلهن مهراً. لا يقتصر هذا التقليد على سكان المنطقة العربية، أو أتباع ديانة واحدة، فلقد اتخذ أشكالاً عدة منذ العصور القديمة، من المهر الذي كان يعطيه أب الفتاة الى الزوج، إلى ذاك الذي كانت تعطيه عائلة الزوج الى عائلة الفتاة كشكرٍ لها على تربيتها. مع الوقت، احتفظ المهر في بلدان عدة بجزءه الأول فقط “المقدم”، على شكل هدايا يتم تبادلها بين الزوجين.