ريا عاصي
طالب في السادس إعدادي بفانلته الداخلية البيضاء يفترش الأرض ويضع دفتر إجاباته على مقعد مكسور وهو يؤدي امتحاناته النهائية في السنوات المنصرمة، من منا لا يتذكره؟
قاعة بلا كهرباء ولا مراوح ولا تبريد وبمقاعد بالكاد تصلح للجلوس، طلبة بلا كتب جديدة ومناهج غير مطورة، مدارس بلا مياه وبدوام مزدوج ، طرق غير معبَّدة ونطلب منهم معدلات عالية. هل فكرنا حقاً ماذا أعطيناهم؟ كيف رفّهنا عنهم؟ كيف نسعدهم وهم بعد أقل من خمس سنوات ستتعبهم الظروف بحثاً عن فرصة عمل.
كابوس معروف
مهما كان عمرك، ومهما كانت مكانتك، لكنك ما إن تمر بمأزق فستحلم بأنك تمتحن البكالوريا وقلمك لا يكتب أو أن أوراقك نفدت، أو أن الوقت يكاد ينتهي قبل أن تنتهي من الإجابة، أو أنك حافي القدمين، كلها كوابيس مرّت بي وبأبي وأختي وصديقتي وخالتي وزملائي.
هذا الضغط النفسي الذي يتملك الشخص، وهو عند حد فاصل من عمره، تكون نتيجته تقرير مصير مستقبله، كلنا مررنا به، البعض هزَّته النتيجة نفسياً فجعلته ينهي حياته، كما قرأنا وسمعنا عن حالات انتحار هنا وهناك، بسبب التعثر في الامتحانات، والبعض الآخر كان محصناً نفسياً ويعرف أنه سيجتازها بأفضل الدرجات، والبعض رضي بأية درجة وبأي قبول قادم من القبول المركزي دون حلم أو تخطيط، أما البعض الآخر فقد ظل حالماً.. ومازال يحلم.
واجبات… سعادات
أراجع نفسي بين فترة وأخرى منذ يوم ولادة ابني.. ترى ما الذي كرهته في تربية أهلي لي ولا أريد أن أعيده؟ ماهي النسخة التي كنت أتمنى أن أكونها أو يريدها أهلي؟
أذكر أنني جلست لأربعين يوماً داخل جدران المنزل دون خروج، وكنت أؤدي واجبات المنزل من تنظيف وترتيب ومساعدة والدتي الموظفة.. لكنني حرمت من الخروج وملاقاة الأصدقاء والذهاب للمسبح ككل صيف.. هل كان عليهم أن يفعلوا ذلك؟
أذكر أن نصيراً، ابن جارنا، قام والده بحلاقة رأسه (نمرة صفر) ليجعله خجلاً من منظره، وبذلك يضمن عدم خروجه من المنزل ومراجعة دروسه.
صديقتي ليلى استعانت بمدرسين خصوصيين بمبالغ ضخمة كونها من عائلة ميسورة، وكان يومها ينقضي بين الذهاب من منزل لآخر لمتابعة حصصها الخصوصية.
انتهى عامنا الدراسي ونجحنا باختلاف المعدلات، هديتي كانت أن يعلمني أبي قيادة السيارة، وهدية ليلى كانت سيارة، أما نصير فقد أعاد عامه الدراسي بأربع مواد.
حين كبر ابني في المهجر فوجئت بأن سنته الأخيرة كانت حافلة بالحفلات والسفرات والمهرجانات التي تقيمها البلدية ومدرسته والأهالي، فجميعهم كان يحاول أن يخفف ضغط الاختيار وصعوبة الامتحان ليسعد أبناءه.
واجبات الأبوين
هل سنعيد ذلك ونورثه للأبناء؟ إننا نعتبر المدرسة الخاصة والكتب الجميلة والملابس الملونة هي السعادات، بينما ننسى أن تلك هي واجبات الأبوين وكل الأهالي، فطفلك أنت من جلبه للحياة، وأنت من تتخذ عنه القرار حتى بلوغه الثامنة عشرة، علّمناهم الطاعة والعمل وتقديس المقدسات، لكن هل علّمناهم كيف يطوون أحزانهم وخيباتهم ويعبرونها للفرح والسعادة؟ هل أسعدناهم حقاً؟
طالبة دكتوراه وأم لطفلة تقول “كان والدانا قبل المراجعة يهتمان بما نحتاجه فيصطحباننا إلى مطعم مثلاً، وفي يوم الامتحان كانا يأخذاننا بالسيارة (نفتر) أو نتعشى في مطعم.. البكلوريا يحدد مصير الأبناء، لذلك لابد من الاهتمام بسعادتهم وراحتهم النفسية ولاسيما أن شروط القبول المركزي ليست عادلة.”
احترام الوقت
عازفة في الأوركسترا العراقية وأم لطفلتين تقول “أهلي لم يمنعوني من المشاركة في عروض الفرقة السيمفونية داخل العراق وخارجه، لكنهم عودوني على تنظيم الوقت، كان والديّ يؤكدان أن الذي يحترم الوقت سيحترم الدراسة أيضاً وأن للدراسة وقتها كما للترفيه وقته، وهكذا كنت وما أزال ناجحة وهذا ما سأربي ابنتيّ
العائلة السبب
شاب عشريني، موظف، أب لطفلة، يقول” ليست كل عائلة تلتفت إلى تحسين الحالة النفسية للابن أو الابنة اثناء الاستعداد للامتحانات، النهائية خاصة، وغالباً تكون هي (العوائل) سبباً في دفع الطالب إلى حالة نفسية سيئة، إذ يهددونه في حال عدم حصوله على معدل عال بأنهم سيعاقبونه ما يدفعه إلى قلق كبير يؤثر على مراجعته ومن ثم على أدائه للامتحانات”.
موظف يقول “أتذكر قول أهلي لي إن السعادة رفاهية زائدة في حياة الإنسان ونستطيع أن نعيش بشكل طبيعي بدونها، والمشكلة أنني صدقتهم، لكن الحياة علمتني أن السعادة ضرورية.”
درس
أستاذة جامعية تقول “ليس عندي أبناء يستعدون للبكالوريا، لكن تجربتي فيها كانت قاسية، فالتنافس في إعدادية كانت شرسة وكنا نأخذ دروساً إضافية قبل وبعد الدوام، أي أننا كنا ندرس من السابعة صباحاً إلى الثالثة عصراً، ونرجع إلى البيت للدراسة أيضاً، كاد القلق أن يقتلنا، علماً أن نتائجنا كطالبات كانت لا تختلف عن المدارس الأخرى، فبيننا كانت الأولى على العراق والوسط ومنا من أعادت العام.” تضيف “في زيارة لعائلة صديقة في عمان، عرفت أن امتحانات ابنتهم ستبدأ غداً وكم شعرت بالخجل لأنهم دعوني إلى مطعم وأدهشتني ابنتهم الطالبة بهدوئها والعائلة بمرحها، وبعد الامتحانات حازت على معدل أعلى من ٩٠% وحينها تعلمت درساً كبيراً في الحياة أثر كثيراً على أفكاري وتقييمات أخرى عندي لاحقاً.”