متابعة التآخي
شهر رمضان الكريم، نعيشه الآن مجدّدا، في فرصة أخرى متجددة، لكي نبني أنفسنا، بما يجعلنا مستحقّين لكرامة الله، هذه الكرامة التي خصّصها الله تعالى للصائم الذي يستثمر فرصة هذا الشهر أفضل الاستثمار، فيبني نفسه بالإيمان والورع، ويحصّن نفسه بالتقوى، وهذه كلها تكون متاحة للإنسان في كل الأوقات والشهور، إلا أن فرصة الفوز بكرامة الله تتضاعف في شهر رمضان حتى تصبح قاب قوسين أو أدنى من الصائم.
هناك خطوات لبناء النفس، وهذا البناء يمكن أن يتم في خطوات متدرجة، والإنسان ليس مطالبا بالقفز في خطوة واحدة لكي يكون في كرامة الله، إذ بإمكانه تدريب نفسه وترويضها وتعليمها، ولعل الخطوة الأعظم تكمن في تطوير درجة التقوى عند الإنسان، وهذه هي التي تقوده إلى القيم والصفات والملَكات الأخرى العظيمة، حيث تعصمه من الحرام، ومن الأخطاء التي تدمّر نفس الإنسان، وتجعلها هشة وضعيفة ومخترقة، لذا فإن كرامة الله ليست حكرا على أحد، فالجميع مشمولون بهذه الكرامة إذا كان لديهم المسوّغ والالتزام.
إن الغاية من وجود شهر رمضان وتجدّده في كل عام، هو منح الإنسان فرصة الحصول على كرامة الله، وذلك من خلال تربيته الصحيحة والمتدرجة لنفسه، والسيطرة عليها، ومنعها من الانغماس في ملذات دنيوية تقتل الفرص المتاحة للإنسان كي يفوز بسعادة الآخرة، ومن الأمور التي تصب في صالح الإنسان أن الفرصة متاحة للجميع وليس هناك فردا أفضل من غيره، أي ليس هنالك تفضيل شخص على آخر في الحصول على هذا التكريم.
الإفلات من حبائل الانحطاط
إن حكمة الله سبحانه وتعالى تجعل من هذه الفرصة متاحة للجميع، وهذا يعني إن الأمر والنتيجة ترتبط بإرادة الإنسان نفسه، وبقدرته على استثمار شهر رمضان في تغيير حياته، وترويض نفسه بالعبادات المعروفة، وتحصيله للقيم العظيمة التي تصونه من السقوط في حبائل الانحطاط، لذا فإن الإنسان الصائم يكون أكثر استعدادا من غيره في قضية المواجهة الصعبة بينه وبين نفسه، فهناك النفوس الأمّارة بالسوء التي يجب السيطرة عليها.
ولا يوجد شخص معين غير مشمول بترويض نفسه والسيطرة عليها، فربما يعتقد بعضهم أنه غير مشمول بهذا الترويض لأنه مثلا (أحد العلماء) أو أنه مفكر ومثقف وما إلى ذلك من صفات قد تجعل الإنسان مغرورا بشخصه، فيعفي نفسه من قضية السعي المتواصل لبناء النفس، إذا لا أحد مستثنى من ذلك مهما كان علمه أو ثراؤه أو أخلاقه أو صفاته.
الجميع يقع عليهم مسؤولية قيادة أنفسهم وليس العكس، لأن ترك النفس تتحكم بحاملها أو صاحبها، إنما يشكل خطوة لتدمير الإنسان، بعد أن يضعف أمام أهواء ونزوات وشهوات نفسه، فيكون أسيرا بما تفرضه عليه من طلبات ورغبات غير مسموح بها لا شرعا ولا قانونا ولا أخلاقا، وبهذا يقع هذا النوع من البشر في مأزق النفس غير المروَّضة، النفس التي تبحث عن الامتيازات والملذات فتسير بصاحبها إلى مستنقع الشر.
لذلك على الإنسان حتى لو كانت درجته العلمية رفيعة، أن يحذر كل الحذر من الانسياق وراء ما تفرضه عليه نفسه من أهواء ورغبات، لأنها سوف تدمر إرادته وتجعله أسيرا لها، وهذا يعني فشل الإنسان في بناء نفسه بشكل صحيح، وعليه أن يصحو بسرعة ويستثمر شهر رمضان لكي يستعيد زمام الأمور ويقود نفسه ويسيطر عليها.
عدم التفريط بالمغفرة الإلهية
ولا جديد في قولنا إن الإنسان الذي يخسر مغفرة الله تعالى في شهر رمضان، فهو غير محظوظ، بل هو من الناس البائسين الفاشلين، لأنه فرّط بأعظم فرصة للمغفرة الإلهية يمكنه الحصول عليها في شهر الله، شهر رمضان، لذلك إذا أهمل الإنسان الارتقاء بنفسه في هذا الشهر الكريم، فإنه يكون كمن ضيّع فرصة كبيرة لإطفاء ذنوبه، وبناء نفسه كي يكون محط الدعم الإلهي، والفوز بالغفران والنجاح في الدنيا وفي الدار الأخرى.
على الإنسان أن يستخدم ذكاءه بشكل جيد، وأن لا يسقط في دائرة الشقاء، فحين يخسر الإنسان فرصة المغفرة في شهر رمضان، سوف يكون شقيّا بائسا محروما من الرحمة والكرامة الإلهية التي تضمن له نتائج ممتازة في الارتقاء بنفسه إلى درجات عالية.
إذًا الحصول على كرامة الله، يأتي من ترويض النفس، وهذه قضية ليست سهلة المنال، بل تحتاج من الإنسان إلى همة عالية، وتخطيط، وإرادة قوية، على أن تسبق ذلك معرفة الأسباب وفهم قضية الصراع بين الإنسان ونفسه، وعليه الحذر الشديد من الانزلاق في ملذّات الدنيا، بل عليه أن يجدد نفسه وأفكاره وحياته بما يجعله قادرا على بناء نفسه أفضل البناء، وهذا في واقع الحال يحتاج إلى جهود ذاتية هائلة من الإنسان.
على الإنسان أن لا يكون أسيرا للأمنيات، ولا يكون بعيدا عن العمل الصحيح، فقضية ترويض النفس والفوز بكرامة الله ليست عملا سهلا، إنه ممكن التحقيق ولكنه يحتاج إلى عمل مستمر في طريق تنوير العقل ومن ثم ضبط النفس لكي تسير في الطريق المستقيم الذي يصل بها إلى بر الأمان والسعادة.
وها أننا نعيش اليوم الأول من شهر رمضان الكريم، وها أن الفرصة تتكرر أمامنا مجدّدا، وما على الإنسان إلا التصدّي جيدا لمهمة بناء نفسه، وعليه القيام بالاستثمار الأجود لهذه الفرصة الجديدة، لكي يؤمِّن فوزه (بكرامة الله)، وهي تمنحه فرصة الغفران الإلهي الذي يتضاعف كثيرا في هذا الشهر المبارك، وبذلك يبني نفسه بالطريقة التي تؤهله للحصول على الكرامة الإلهية.