مازن لطيف
تعود علاقتي بشارع المتنبي منذ عام 1990 حيث كنت طالباً في الجامعة، ومازال حاضراً في عقلي وقلبي وعلى لساني ذلك المكان الذي مكث يشرئب الى بغداد المثقفة الأولى، وباعتباري من وسط هذا الشارع وقريباً على خفاياه فقد كانت وماتزال لي العديد من العلاقات مع باعة الكتب والادباء والمثقفين، واشعر بأن الكتاب يروي عطشي دائماً، شكل هذا المركز الثقافي وشكل بؤرة لتلاقح الأفكار بين قارئ وكتاب وبين قارئ وقارئ أو مقرئ. وهكذا أمسي ولوج المكان والشوق لي ضرب من الهوس والإدمان.
مكتبة ” المثنى ” كانت مركز استقطاب لعشاق الكلمة والمعرفة وصار محجتهم للالتقاء والحوار واقتناء الكتب والدوريات المختلفة.. اكتسبت مكتبة ” المثنى ” كونها معلم ثقافي وتراثي بفضل صاحبها ومؤسسها قاسم محمد الرجب خصوصية ثقافية وحضارية تؤهله لمثل هذه المكانة.
قاسم محمد الرجب (1919_1974) صاحب مكتبة المثنى ببغداد، ذاع صيته وشهرته العراق والعالم العربي، في الكتاب الصادر حديثاً” مذكرات قاسم محمد الرجب ” الصادر عن الدار لعربية للموسوعات 2009، جمعها وعلق عليها د. عماد عبد السلام رؤوف، يطالع القارئ في هذه الذكرات كيف بدأ حياته في عالم الكتب وأصبح أشهر كتبي عرفه العراق.
يذكر الرجب “رحمه الله” ان الكثير من الأدباء والعلماء والشعراء والسياسيين كانوا يترددون الى سوق السراي أمثال جميل صدقي الزهاوي، اسماعيل الواعظ، نوري السعيد، مصطفى علي، وغيرهم، وكان أكبر زبون هم المؤرخ عباس العزاوي المحامي، حيث كان يتردد 5 مرات يوميا فلا يفوته اي كتاب سواء كان مطبوعاً أو مخطوطاً.. ويذكر الرجب ان المثقف البغدادي إذا أفلس باع مكتبته، وإذا تزوج او اراد شراء دار له، باع مكتبته، ومن الشخصيات اللذين باعوا مكتباتهم وهم احياء: رفائيل بطي، ابراهيم صالح شكر، محمود النقيب الكيلاني، ناظم الغزالي وغيرهم. وعن اهمية وتسويق الكتب في العراق يذكر الرجب ان العراق أهم سوق لبيع الكتب وأعظمها إذا ما قيس بسائر الاقطار العربية الاخرى، حيث ان الكتاب العربي عند طبعه في اي بلد فأن اسواق العراق تستهلك 70% مما طبع منه وحتى المجلات العربية ايضاً.. كانت الكتب المدرسية تشكل مورداً كبيرا للباعة واصحاب المكتبات قبل ان يؤمم الكتاب المدرسي سنة 1933 حيث تبنت وزارة المعارف طبعها وتوزيعها، وعن تجارة المخطوطات يذكر الرجب ان المخطوطات تصل الى بغداد من كربلاء والنجف وهي اجود ما يعرض من المخطوطات وأندرها، ويعتبر العراق من أفقر بلاد العالم قاطبة بالمخطوطات إذا ما قيس بمصر والهند ودمشق واستنبول.
بدأ الرجب استقلاليته في عالم الكتب عام 1936 عندما ترك العمل عند نعمان الاعظمي حيث كان يعمل صانعاً عنده، وقد امتلك خبرة جيدة في الكتاب فأسس مكتبة اسمها مكتبة ” المعري” لكنه استبدلها باسم ” المثنى ” بناء على تأثير صديقه عبد الستار القره غولي.. اصبحت مكتبة ” المثنى ” اهم مكتبة عراقية وعربية من نوعها طبعت كنوز ونفائس الكتب النادرة فقد ميز الرجب في تعامله مع الكتب النادرة حيث قام بطيع نفائس الكتب والمطبوعة في اوربا او غيرها بطريقة الاوفسيت، فكان أول كتاب يطبعه هو (عجائب الأقاليم السبعة إلى نهاية العمارة) تأليف شهراب المعروف بأبن سرابيون، وهو من سلسلة المكتبة الجغرافية التاريخية التي قام بنشرها المستشرق هانس فون مزك سنة 1929 والكتاب الثاني كان (صورة الارض من المدن والجبال والبحار والجزائر والأنهار) لمحمد بن موسى الخوارزمي.. وهكذا استمر الرجب بطبع الكتب النادرة.. ومن المفارقات ان مئات الكتب والنفائس قد حرقت في مكتبة المثنى اثناء الحريق الذي تعرضت له المكتبة في صبيحة يوم الجمعة 20/8/1999 بحيث ادمت قلوبنا ونحن ننظر الى الكتبة بشموخها وتاريخها ونفائسها تلتهما النار التي بقيت ايام مستمرة رغم اطفاءها لكن الرجب كان قد رحل عن الدنيا ولم ير مصير المكتبة.
في مذكرات الرجب التي نشرت قبل حوالي نصف قرن على شكل حلقات في مجلة ” المكتبة ” التي كان يصدرها قسم محمد الرجب وجمعت الان في كتاب فيها قيمة معرفية وتاريخية، وفيها مواقف وتجارب يمكن ان يستفيد منها اصحاب المكتبات وباعة الكتب الان فقد كان الرجب خير نموذج يقتدى به.