عمر كوجري
قبل أيام انطلقت أولمبياد كأس العالم في دولة قطر، وخلال الأيام القليلة القادمة ينتهي هذا العرس الرياضي العالمي بتتويج فريق يكون بطل العالم في كرة القدم لأربع سنوات قادمة، وستحلق عالية أسعار اللاعبين الذين قدّموا عروضاً ممتازة في مبارياتهم مع فرقهم، وخاصة اللاعبين الذين كانوا سبب الفوز لفرقهم، وأحرزوا أهدافاً أو كانوا مدافعين أشداء أو حراس المرمى لفرقهم الوطنية، وحتى الآن ضمنت الأرجنتين تأهلها للعب في المباراة النهائية بانتظار الفائز من فريقي المغرب أو الفرنسي..
في الميدان فرق عريقة وعملاقة، وفرق ليست بالقوة وذيوع الصيت ذاته، ميدان لا يعير اهتماماً لأصحاب الألقاب الكثيرة، والتي لها صولات وجولات في عالم كرة القدم، فقد أثبتت فرق مغمورة قليلة الرعاية كفرق آسيا وأفريقيا قضت على أحلام دول كبيرة “أوربية خاصة” والتي تولي الاهتمام الواسع بلعبة كرة القدم.
وفي الميدان عينه لا مجال للنجوم إلا تقديم الأفضل، وإلا ستتوجه إلى المطار لركوب أول طائرة إلى بلادها، وهكذا فعل لاعبون مغمورون فقد ألحقوا الخسارة والهزيمة بلاعبين كبار، وغيّبوا نجومهم بحماسهم الزائد، واندفاعهم وحبهم لبلادهم.
في هذا العرس الكروي العالمي، حتى الذين لم تكن لديهم ميول متابعة مباريات الدوريات العالمية “الاوربية بشكل محدد” تراهم ينخرطون في لهفة المتابعة، وثمة من حضّر لهذا الشهر، وتفرّغ له، ليتسنى له متابعة أغلب المباريات في دولة قطر التي شهدت نجاحاً على مستوى التحضير، لكنها شهدت تجاذبات سياسية، وإشكالات على صعيد استيعاب وتفهم بعض الأفكار التي مالاقت استحساناً لدى قطاع واسع من جمهور هذه البلاد، وثمة من استغل هذه الأضواء المبهرة والدعايات التي لا حدود لانتشارها، فشجّع، وحفّز الناس للالتفات إلى قضايا هي بالنسبة لنا ثانوية وهامشية، ولا تحوز على اهتمامنا كمشكلة مجتمع “الميم” أو المثلية، والتي روّج لها بعض الفرق العريقة في داخل ملاعب كرة القدم، قبل بدء مبارياتها.. وبهذا الشكل والصورة انتفت الروح الرياضية التي نتغنى بها كل حين، وصارت هذه الكرة الساحرة ميداناً للاختلاف، وإمعاناً في خلق التوترات، فحين صرحت دولة قطر عن موقفها عن هذه القضية، بدأ العديد من اللاعبين والجماهير بارتداء شارات عليها ألوان قوس القزح.
وامتد انخراط جهاز الأمن القطري “المستورد من شركات أمنية في غالبها” في تسييس هذا المحفل العالمي، وتم التركيز على سبيل المثال لا الحصر على الجمهور الإيراني، ويطلبون من الجمهور إزالة البوسترات التي تمجّد الشهيدة الكوردية، مهسا أميني، والتي بسببها تشهد إيران احتجاجات لم تهدأ منذ أشهر، هذا الفريق الذي لم يردد نشيده الوطني في أولى مبارياته مع انكلترا، احتجاجاً على الممارسات الإرهابية التي يقوم بها الأمن الإيراني ضد المحتجين في مختلف المدن والقرى في إيران.
إذاً: وسط هذا الوجع الذي يلف العالم، سيتناسى الكثير منا منغصات روحه، والأزمات التي تطحن شعوباً ودولاً.
هذه الطابة المُدوّرة ستساهم في تأجيل الوجع، ولو لأيام، والجماهير التي مارأت عينها فريقها الوطني يلعب مع الكبار في هذا الحفل الكروي الذي لن يتكرر إلا بعد أربعة أعوام، تبحث عن فريق “وطني” له، وتشجعه، وتتحمس له، ترقص لانتصاره، وتكتئب لهزيمته.
ما أشد وجع الشعوب التي لا يطالها هكذا حظ!! هكذا فرح!!