رسالة إلى الأجيال المقبلة من العلماء

أنتوني فاوتشي

رغم شعوري بالتردد إزاء استخدام العبارة المبتذلة«يبدو الأمر كما لو كان بالأمس فقط»، فإنَّ هذاتحديداً ما شعرت به بينما أستعد لمغادرة المعاهدالوطنية للصحة بعد أكثر من خمسة عقود. وعندماألقي نظرة على مسيرتي المهنية، أرى دروساً ربماتكون مفيدة للجيل القادم من العلماء والعاملينبالمجال الصحي، الذين سيجري استدعاؤهم لمواجهةالتحديات غير المتوقعة التي ستظهر حتماً علىصعيد الصحة العامة.

في سن الـ81، ما أزال قادراً على التذكر بوضوحالمرة الأولى التي قدتُ فيها سيارتي إلى داخل مقرالمعاهد الوطنية للصحة في بيثيسدا بماريلاند، فييونيو (حزيران) 1968 في عمر الـ27. وكان حافزيوشغفي الأكبر حينها أن أصبح الطبيب الأكثر مهارةقدر الإمكان، وأن أكرس حياتي لتقديم أفضل رعايةممكنة لمرضاي. ويظل هذا جزءاً لا يتجزأ من هويتي،لكنني لم أدرك كيف ستؤثر الظروف غير المتوقعةبعمق على اتجاه مسيرتي المهنية وحياتي. وسرعانما تعلمت أن أتوقع ما هو غير متوقع.

وأشارك قصتي، قصة حب العلم والاكتشاف، علىأمل إلهام الجيل القادم للالتحاق بوظائف متعلقةبالصحة ـ ومواصلة المسار، بغض النظر عنالتحديات والمفاجآت التي قد يحملها.

خلال فترة تدريبي، تملكني الشغف إزاء العلاقة بينالأمراض المعدية ومجال المناعة البشرية، الذي كانآنذاك ناشئاً نسبياً، لكنه مزدهر. ونظراً لاهتماميبالكثير من المرضى المصابين بأنماط عدوى شائعةوأخرى نادرة، اتضح لي أنَّ الأطباء ومقدمي الرعايةالصحية الآخرين بحاجة إلى المزيد من الأدواتلتشخيص الأمراض والوقاية منها وعلاجها.

وسعياً لدمج هذه الاهتمامات، قبلت زمالة المعهدالوطني للحساسية والأمراض المعدية التابع للمعاهدالوطنية للصحة، بغية تعلم الطرق المعقدة التيتحمينا من خلالها الخلايا والعناصر الأخرى فيجهاز المناعة في مواجهة الأمراض المعدية.

ورغم عدم خوضي تدريباً مسبقاً في مجال البحوثالعلمية الأساسية، أصبحت مفتوناً على نحو غيرمتوقع بإمكانات هذه الأبحاث فيما يخص تحقيقاكتشافات تفيد ليس مرضاي فحسب، وإنما تفيدكذلك عدداً لا يحصى من الآخرين الذين ربما لاألتقيهم أبداً. وتعارض هذا الافتتان الجديد معخططي لممارسة الطب. في نهاية الأمر، اخترتاتباع كلا المسارين: أن أصبح عالم أبحاث وطبيباًيعتني بالمرضى داخل المعاهد الوطنية للصحة، حيثكنت أعمل منذ ذلك الحين.

هناك الكثير من الاكتشافات التي يمكن أن تحدثداخل المختبر وفي العيادة ـ حتى عندما لا تتوقعذلك. مثلاً، في بداية مسيرتي المهنية، تمكنت منتطوير علاجات فعالة للغاية لمجموعة من الأمراضالمميتة في الأوعية الدموية تسمى متلازمات الالتهابالوعائي. وعليه، قررت أن أقضي حياتي في العملعلى الظروف المتعلقة بالنشاطات غير الطبيعية داخلجهاز المناعة.

بعد ذلك، في صيف عام 1981، رصد أطباءوباحثون مرضاً غامضاً يتفشى في الغالب بينالشباب الذين يمارسون الجنس مع الرجال. وأصبحت مهتماً بشدة بهذا الاضطراب غير العادي،والذي سيُعرف لاحقاً باسم فيروس نقص المناعةالبشريةالإيدز. كانت السمة المميزة لهذاالاضطراب تدمير أو ضعف خلايا الجهاز المناعيالتي يحتاجها الجسم للدفاع عن نفسه فيمواجهتها.

وفي قرار مفاجئ أثار استياء أصدقائي ومعلميَّ،قررت تغيير اتجاه مسيرتي البحثية تماماً وتكريسجهودي لأبحاث الإيدز، من خلال الاهتمام بمثل هؤلاءالشباب داخل مستشفى يتبع المعاهد الوطنيةللصحة، مع العمل على التحقيق بشأن وسبر أغوارهذا المرض داخل مختبري ـ الأمر الذي أقوم به الآنمنذ أكثر من 40 عاماً.

ولم أطمح مطلقاً في منصب إداري كبير واستمتعتبهويتي كطبيب عملي وباحث إكلينيكي، لكننيشعرت بالإحباط بسبب النقص النسبي في الاهتماموالموارد الموجهة لدراسة فيروس نقص المناعة البشريةالإيدز في أوائل الثمانينات. ومن جديد، لاحت فيالأفق فرصة غير متوقعة عندما عرض عليَّ قيادةالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، ووافقتبشرط أن أتمكن من الاستمرار في رعاية المرضىوقيادة الأبحاث داخل معملي. وأحدث هذا القرارتحولاً في مسيرتي المهنية وأتاح أمامي فرصاً للتأثيرالإيجابي على مجالي الطب والصحة العالمية علىنحو لم أتخيله قط.

وبدءاً من الرئيس رونالد ريغان، أتيحت لي الفرصةلتقديم المشورة شخصياً لسبعة من الرؤساء علىمدار الأعوام الـ38 التي قضيتها في منصب مديرالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية. وتضمنت مناقشاتنا كيفية الاستجابة لفيروس نقصالمناعة البشريةالإيدز، فضلاً على تهديدات أخرىمثل إنفلونزا الطيور وهجمات الجمرة الخبيثةوالإنفلونزا الوبائية عام 2009 والإيبولا وزيكاوفيروس «كوفيد – 19». ودائماً ما كنت أقولالحقائق للرؤساء وغيرهم من كبار المسؤولينالحكوميين، حتى عندما تكون هذه الحقائق غيرمريحة أو غير مواتية سياسياً، لأن ثمة أشياءاستثنائية يمكن أن تحدث عندما يعمل العلموالسياسة جنباً إلى جنب.

في منتصف التسعينات، ظهرت الأدوية المضادةللفيروسات المنقذة للحياة لفيروس نقص المناعةالبشرية، والتي ثبت أنها آمنة وفاعلة، وذلك من خلالدراسات يدعمها المعهد الوطني للحساسيةوالأمراض المعدية. وأتيحت هذه الأدوية داخلالولايات المتحدة عام 1996، وبحلول مطلع القرنالحادي والعشرين، كان بإمكان الأشخاص الذينحصلوا على هذه الأدوية توقع فترة عمر طبيعيةتقريباً.

ومع ذلك، فإن إمكانية الوصول لهذه الأدوية فيمايخص الأشخاص الذين يعيشون في أفريقيا جنوبالصحراء وغيرها من المناطق منخفضة ومتوسطةالدخل كانت معدومة تقريباً. وبدافع من تعاطفهالعميق ورغبته في تحقيق المساواة في مجال الصحةالعالمية، وجهني الرئيس جورج دبليو. بوش لتطويربرنامج يمكنه توفير هذه الأدوية وغيرها من سبلالرعاية للأشخاص في البلدان فقيرة الموارد، التيتوجد بها مستويات مرتفعة من الإصابة بمرض نقصالمناعة.

وكان شرفاً كبيراً لي أن أكون مهندساً لما سيصبحخطة الرئيس للطوارئ لبرنامج الإغاثة من الإيدز،والتي أنقذت حياة 20 مليون شخص على مستوىالعالم. وتعد «خطة الرئيس الطارئة للإغاثة منالإيدز» (بيبفار) مثالاً لما يمكن تحقيقه عندما يتطلعصناع السياسة نحو أهداف جريئة، يدعمها العلم.

أما فيما يخص جائحة «كوفيد – 19»، فإنها لم تكنغير متوقعة تماماً. ولطالما شكلت الأمراض المعديةالناشئة تحدياً للبشرية عبر التاريخ، ومع هذا فإنمثل هذه الجوائح بمقدورها إحداث تحول في مسارالحضارات. ويعد «كوفيد – 19» أشد جائحة تدميراًتقوم على مرض تنفسي يصيب البشرية منذ جائحةالإنفلونزا عام 1918.

وحملت جائحة «كوفيد – 19» الكثير من الدروس،منها أنها ذكرت الولايات المتحدة بأهمية استمرارالاستثمار في البحوث الطبية الحيوية الأساسيةوالسريرية. وجاءت النجاحات الرئيسية على صعيدالتعامل مع جائحة «كوفيد – 19» مدفوعة بالتقدمالعلمي، خاصة اللقاحات المنقذة للحياة التي جرىتطويرها، وثبت أنها آمنة وفعالة في التجاربالسريرية وجرت إتاحتها للجمهور في غضون عامواحد، ما يشكل إنجازاً غير مسبوق.

في المقابل، كانت هناك دروس أخرى مؤلمة، مثل فشلبعض الاستجابات المعنية بالصحة العامة محلياًوعالمياً. ويجب أن نعترف بأن معركتنا ضد «كوفيد – 19» قد أعاقتها الانقسامات السياسية العميقة فيمجتمعنا. وعلى نحو لم نشهده من قبل، تأثرتالقرارات المتعلقة بتدابير الصحة العامة مثل ارتداءالأقنعة والتطعيم بلقاحات فعالة وآمنة للغاية،بمعلومات مضللة والآيديولوجيات السياسية.

وتقتضي مسؤوليتنا الجماعية التأكد من أن القراراتالمرتبطة بسياسات الصحة العامة مدفوعة بأفضلالبيانات المتاحة. ويمكن للعلماء والعاملين في مجالالصحة الاضطلاع بدورهم من خلال الحديث، بمافي ذلك إلى مصادر وسائل الإعلام الجديدةوالقديمة، لمشاركة وشرح أحدث الاكتشافات العلميةبلغة واضحة، بجانب الأمور التي لا نعرفها بعد.

وعند التطلع نحو المستقبل، أشعر بالثقة من أنالأجيال القادمة من الأطباء الشباب والعلماءوممارسي الصحة العامة سيعاينون نفس الإثارةوالشعور بالرضا اللذين شعرت بهما، في خضمانهماكهم في تلبية الحاجة الهائلة لخبراتهم للحفاظعلى صحة الناس وحمايتها بمختلف أرجاء العالم،والارتقاء إلى مستوى التحديات المستمرة غيرالمتوقعة التي سيواجهونها حتماً.

* مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعديةالتابع للمعاهد الأميركية الوطنية للصحة

* خدمة «نيويورك تايمز»

قد يعجبك ايضا