لطيف دلو
ابرمت الحكومة الملكية العراقية مع بريطانيا مذكرة متعلقة بإدارة المناطق الكردية في الدولة العراقية بعد الحاق ولاية الموصل الاكثرية الكردية إليها بنفوذ وإرادة بريطانية كدولة عظمى في مجلس عصبة الامم وان يكون إستحقاقهم وفق نسبة تواجدهم في الدولة العراقية 17% وان تدار مناطقهم من قبلهم والدراسة والمراسلات ومرافعات القضاء بلغتهم كما ماورد في كتاب تاريخ الوزارات العراقية – المجلد الاول – للكاتب عبد الرزاق الحسني ، وكذلك ورد في كتابه ( العراق قديما وحديثا ) بان نسبة العرب 78% ويسكنون غرب الفرات وبعد الفتوحات الاسلامية عبروا النهر وانتقلوا شرقا الى الجهة اليسرى من دجلة الى الحد الفاصل بين الاقوام الاخرى ، ونسبة الكرد في الدولة العراقية 17% وهم يقطنون مدن وقرى من الحدود العراقية الايرانية على خط مستقيم من جبل حمرين الى جبل سنجار حيث يتصل بالحدود العراقية التركية والسورية وينتعلون احذية خاصة بهم تقيهم المآكل في ارجلهم ( يقصد بها التميز عن غيرهم ) ويشكلون اهم اقلية قومية وعلى كل حال هم اربعة اقسام ، الكرمانج والكوران والكلهر واللور، وقد صانهم احتفاظهم بمعاقلهم الجبلية من غزوات العالم الخارجي ومن مؤثراته ، فكان ذلك من الاسباب التي حصلت لهم مزايا خاصة فيهم كشعب جبلي اقوياء ذو باس شديد يتعصبون لقوميتهم تعصبا شديدا وثاروا على الحكومات الايرانية والعثمانية مرات عديدة لاجل حريتهم واستقلالهم كما انهم مصدر قلق عظيم للحكومة العراقية لاجل الاستقلال مستفيدين من صيانة جبالهم ولا ننسى اثر الدعايات الاجنبية فيما بينهم ، وما يخص الاستقلال قد اشارالكاتب الى ثورة الشيخ محمود 1919وثورتي بارزان 1932 و 1944 في المجلد السادس لكتابه المميز تاريخ الوزارات العراقية وكان الكاتب مختصا من قبل الحكومة الملكية لتدوين مذكراتها ، وتلك هي اعترافات من الحكومة العراقية في دور تشكيلها بالقضية الكردية وأبقتها حبرا على الورق وكلما اشتدت سيطرتها من نظام الى اخر اكثر تهميشا وتعقيدا لها .
لم يكن للكورد التعصب القومي عبر التأريخ اطلاقا كما قال عنهم الكاتب الدكتور عبد المنعم ماجد في كتابه ، الدولة الايوبية في عصر مصر الاسلامي ، بأنهم تجنبوا الانتماء القومي وامتازوا في التوحيد إقتداءا بالنبيين سليمان وابراهيم من اصول كردية من احد ابويهما وهذا تاكيد على ان الكرد لم يتبنوا القومية بقدر ما امتازوا بالتوحيد والتاخي والتعايش السلمي مع القوميات الاخرى كما انتهجوها في دولتيهما الايوبية في مصر1171 م والدولة الزندية في ايران 1757 م وإن كان في تسميتيهما شيء من القبلية ولكن قساوة الظلم والاظهاد والاستبداد ومحاربتهم عن هويتهم القومية من الدول التي اصبحت كردستان تحت لواءها منها الخلافة العثمانية والامبراطورية الصفوية في ايران وإجبارهم الرحيل عن ارضهم وقد وصلت شتاتهم الى قفقاس وارمينيا وافغانستان وباكستان واندنوسيا قد أولدت لدى الكرد الرغبة الشديدة للانتماء القومي في لم شملهم تجاه تهديدات صهرهم من الدولتين القومويتين ومن ثم الدول الثلاث التي شكلت بعد الحرب العالمية الاولى على أنقاض الدولة العثمانية وايران وما حيكت من مؤامرات ضد اقليم كردستان الحمراء في ناكورنو كره باغ على هويتها الكردية ادت الى افولها وترحيل شعبها الى دول مجاورة ومنها الى سيبيريا بعد دفن الذكور من عمر اليافعين فما فوق احياءا في مقبرة جماعية عثرت عليها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في حديقة باحدى مدن كازاخستان وبنت عليها متحفا للزوار وجرى للكرد من قبل الدول الاربع المحيطة بكردستان المجزئة عليها بمعاهدة سايكس بيكو 1916اسوأ من تلك الكارثة باسم الانفال في العراق والفتح في تركيا والنصر في ايران والهلال في سوريا بعناوين ورموز دينية في حين لولا الكرد وفرسانهم الاشداء تحميهم في الحروب الصليبية لكانوا جميعا في ثقافات واثنية اخرى .
إن ما ورد في مذكرات الحكومة العراقية الملكية بوصفها أن الكرد يشكلون القلق العظيم والمخاوف من الدعايات الاجنبية فيما بينهم هي نفسها في أذهان الدول الثلاث الاخرى لان جميعها مبنية على القوموية وعدم الاعتراف بالتعددية هم صنعوها وهْما عن صدى اصرارهم في صهر الكرد في بوتقة قومياتهم وممارسة الظلم والاضطهاد ضدهم .
لا يمكن حل القضية الكردية في الدول الاربع بسياسة التعريب والتتريك والتفريس للارض والعباد إلاُ بتحقيق نظام ديمقراطي تعددي بثقة وثبات ومشاركتهم في الحكومة وصناعة القرار في ادارة الدولة حسب نسبة تواجدهم في كل دولة والتعامل مع الجميع على الهوية الوطنية وفقا لأنظمة الدول الاوروبية ودول اقصى شرق آسيا والاعتذار عما جرى لهم من الظلم والاضطهاد وتعويضهم عن الخسائر واعادة الاراضي والممتلكات المغتصبة منهم عن الهوية كضمان وإلاُ لا أمن ولا استقرار بسفك الدماء وإن حظيت بها أي دولة ليست إلاُ لفترة وهمية ودفعت ثمنها اضعافا كما اكدتها التجارب الماضية .
ما تحققها العقول الخيرة في صناعة السلام بالحوار والتفاهم البناء بين مكونات الدولة في التآخي والامن والاستقرار( وهي غائبة الى هذه اللحظة ) ، تعجز عنها دعات الشوفينية المقيتة ( وهي حاضرة الى اليوم ) بالمؤامرات الدفينة والاسلحة المدمرة بانواعها ، ومن لا يصدقها فاحداث القضية لسان حال الحقائق دون حياز .