عبد المنعم الاعسم
ما يجري من صراعات تجري في حشوة العملية السياسية (هل تتذكرونها؟) ينتمي الى اخلاقيات الغابة، لا الدولة، وما نسمعه عن ضرورة انقاذ سمعة الانتخابات، بعد فضيحة انتخابات مجالس المحافظات يمرغ تلك السمعة بالوحل.. تلك هي محنة العراق، بالالوان الطبيعية.
اقول عندما يتعلق الامر بموجبات انقاذ الدولة واعادة بنائها من حالة الغابة ومزيد من التدهور فلا مكان للرطانة عن استحقاق المكونات التي باتت استحقاق احزاب الفساد ومليشياتها، فان بناء الدولة يتم بواسطة منظومة علمية وواقعية واجرائية ما تسميها علوم السياسة بعقيدة الحكم، فلا يمكن لدولة ان تُدار من دون هذه العقيدة الواضحة والمعلنة، والقادرة على استيعاب فروض ولوازم الادارة وسلطة القرار والاجابة على الاسئلة التي تطرحها التحديات والاحداث وتحقيق التنمية والاستقرار وكبح الارهاب والسلاح المليشاوي في طوره المنفلت، ولا يمكن لهذه العقيدة ان تكون فاعلة وضامنة من دون ان تتسع لمفهوم الجماعة والوطنية بكفالة القواسم المشتركة لمجموعة المصالح التي تخص المكونات والشرائح السكانية على اساس المساواة وحق المواطنة المطلق، وايضا،عبورا من فوق النصوص الدستورية، والادق، استلهاما لروح الدستور لا نصوصه.
ادارة الدول
لكن، ينبغي ان نستدرك القول للتمييز بين مفهومين: عقيدة ادارة الدول والانظمة السياسية وعقيدة ادارة العبادات والمقدسات، ولا يعني التمييز هذا الفصل بينهما، فهو شأن يتصل بمستوى الوعي واحكامه وتجلياته، لكن المطلوب ان يكون للمرحلة التي تمر بها اعادة بناء الدولة وادارتها وبرامجها عقيدة تنظم فعل الارادات المختلفة في منهج واحد يستند الى تلك الارادات، من جهة، ويكون ملزما لها وموضع احترام الجميع من جهة اخرى..
الى ذلك فان تحربة عقدين من حكم ما بعد 2003 كشفت غيابِ موصوف «العقيدة الوطنية» وظهرت على السطح وفي الممارسات والتحالفات والاصطفافات عقائد بينيّة كثيرة، متضاربة، ومتقابلة، وفاسدة، ومتخندقة، يجمعها التشبث بالامتيازات والخوف من ضياع كل شيء بانقلاب القارب على من فيه، أو مواجهة ضغوط واحتمال انقلاب الجمهور، أو المناورة في منطقة الانتقال، ولم تفعل هذه الاعتبارات فعلها لخلق عقيدة حكم متجانسة (وقل متقاربة) في الرؤى والتطبيق، ومتضامنة عند الحد الادنى من المتطلبات، بل انها فاقمت التشرذم وخلقت بيئة انشقاق عميقة في المجتمع.
على ان عقيدة الحكم ليست وصفة يمكن نسخها عن تجربة دولة اخرى، لكنها، بالمقابل، ليست اجتهادات يقترحها (أو يطبقها) شخص او مجموعة من شريحة سياسية محددة، ولا هي ملفا انيقا في مكتب صاحب القرار والمسؤول عن ادارة الدولة، بل هي تحديدات في الامن والحرب والسلام والعلاقات والاقتصاد والمواقف معبراً نحو رد الاعتبار الى الحكم كخدمة، كما يُفترض، لا كخدعة كما فُرض.