شيروان الشميراني
هذا المقال يتناول التصريح – غير المفاجئ – من القضاء الأعلى بخصوص منع قيام أقاليم جديدة في العراق في ظلّ النظام الإتحادي الحاكم، وما يأتي هو شرح وتحليل بعيد عن الاتهام، فهو ليس إتهاماً بقدر ما هو واقع صارخ نطق به رئيس الهيئة القضائية العليا، وليس شرطاً أن يكون المقصود من مضمون المقال موجهاً لرئيس أو مرؤوس.
ينص الدستور العراقي في ديباجته ومادته الأولى على أن العراق النظام فيه جمهوري إتحادي، وخصص بابه الخامس في ست مواد من (116-121) لتأسيس الأقاليم وعملها، وفي المادة (144) أن هذا الدستور يُعدّ نافذاً، فما الذي يجري إذن؟
1- من أجل نقل العراق سالماً من نظام قمعي فاشي إلى نظام يتنبى الحرية والمفاهيم السياسية الحديثة في إدارة الشأن العام، أي الديمقراطية ونظام الأقاليم المعمول به دولياً، وتاريخياً في المنطقة الإسلامية، أُسِّسَتْ المَحْكَمَةُ الإتحادية للإشراف السليم على هذا الإنتقال ولكي يكون إنتقالاً يحقق الغاية من تقديم مئات آلآف الشهداء العراقيين تخلصاً من النظام القمعي السابق، لكنَّ الذي يجري وبكل حماس هو أن الدولة العراقية لاتزال مكبلة بالقوانيين الصادرة في حقبة الدكتاتورية، وقرارات ما بعد تلك الحقبة لا تزال تصدر في قضايا حساسة خلافاً لما ينص عليه الدستور الفدرالي، وذلك لإنعدام القانون البديل لقوانين ما قبل 2003، وقد سبّب هذا الكثير من الإشكاليات والمناوشات بين إقليم كوردستان والحكومة الفدرالية. ومن ثم فإنّ المحكمة الفدرالية تتعامل بما لا يتناغم مع روح الدستور الساري.
2- ما كان يقال خفية، أو همساً، قيل الآن علناً، فقد عكس القضاء أو جسَّد رغبة الكيانات والأحزاب السياسية وأصبح الصوت الذي حسم الجدال عن الفدرالية لصالح الأحزاب، أي توحد الطرفان ولأول مرة دون التردد من التعرض للضوء الساطع والإظهار على خط فكري سياسي واحد “متفق عليه أو غير متفق”، أي رؤساء الأحزاب السياسية الرافضة للفدرالية، وأصبح الأول يعكس رأي ورؤية الثاني، في حين وُضِعَ الثاني لمراقبة الأول وليس لمسايرته لأنه يفكر دستورياً وليس سياسياً أو فئوياً، وبهذا عدنا إلى سنوات 2004-2005، حيث السجالات التي كانت طاغية وعبرت حينئذ عن التباين الثقافي والاختلاف في الغايات الستراتيجية الطرفية، لكن العودة الآن بموازين قوى مختلفة تماماً عن تلك التي كانت سائدة في السنوات التأسيسية مع الحضور الأميركي والدولي والأممي الحاكم والغائب الآن، أي أن القوة التي كانت حاضرة على المستويين الإقليمي والدولي والمؤثرة بشدة في كتابة الدستور مختلفة الآن، وراجحة لصالح الأصوات المنادية بالمركزية وتشديد القبضة على الأطراف.
3- في السنوات الأولى كانت الأفكار مختلفة، وربما كان التعامل مع الوضع السياسي تعاملاً تكتيكياً وليس مبدئياً فيما يتعلق بمستقبل البلد، والمظاهر المُشاهَدة الآن تدل على ذلك، في وقته كان السنّة هم من يعارض الفدرالية لعموم العراق بإستثناء إقليم كوردستان، لأنه أمر واقع خلقه النظام السابق بإنسحابه من غالبية المنطقة الكوردية، عكس الكورد والشيعة، لكن الأمر إختلف الآن، الحكم الفاسد جعل من السنة العرب أنصاراً للفدرالية، والطمع بالسلطة والحكم وتوسيع النفوذ جعل الشيعة يتراجعون، ويردّدون – الحاكمون منهم – الآن ما كان السنة دفعوا الكثير من أجله – سابقاً – وهم نادمون.
لكن السؤال الذي يلحّ على المراقب الباحث، هل تعطيل العمل بالدستور – تعطيلاً جزئياً أو كلياً أو إلغاءً لنصوص معينة -، من صلاحية أحد أم هو إنقلاب؟.
في وصف هكذا حالات هناك “تعطيل، تعديل، إلغاء وإنقلاب”، والتعطيل الجزئي أو الكلي الذي يحدث في حالات غير مشروعة – أي ما لم ينص الدستور في مواده على الحالات التي يمكن ولمن هو مخوّل بالتعطيل – مرفوض، لأن أسباباً سياسية غالباً تقف وراءه من أجل القبض على السلطة وقد يأخذ مسار الإنقلاب العسكري أو غير العسكري من الراغبين على جمع السلطة في أيديهم وحصار الآخرين، والتعطيل المشروع يجب أن يكون مؤقتاً لتجاوز حالة أو ظرف إستثنائي معيّن، أما الإلغاء الدائمي الكلي أو الجزئي، في حالات الحرب أو الحصار أو الأحكام العرفية ولكي يكون مشروعاً ينبغي أن يتفق مع المسار الدستوري ومن الشخص المفوّض وإلا يكون مرفوضاً، وهناك الخروج على الدستور وهو التصرف من شخص أو مؤسسة من مؤسسات الدولة بخلاف الدستور.
في سبيل قطع الطريق على الإنقلابات والخروج من المأزق العسكري الذي طبع العراق منذ 1958، أدرجت موادٌّ في الدستور تَضْمِنُ التعديل، فالنص الدستوري على تعديل مواده ضروري للحفاظ على حكمه وليواكب تطورات الحياة وأن لا يكون جامداً، وَكانَ فقدان الثقة التاريخية بين الكورد والأنظمة الحاكمة، دفعهم إلى كتابة مادة دستورية توجب عدم معارضة ثلاث محافظات على الأقل لتمرير أي تعديل دستوري، ولو لم يفعلوا لذهبوا وإقليمهم في خبر كان، إذن من يحق له وقف العمل نهائياً بمادة دستورية نافذة وغير معدّلة؟، مع أن الفدرالية وتأسيس الأقاليم هو ليس مجرّد مواد دستورية وإنما هو النظام كله، وهو الوصف المصاحب للدولة والمؤسسات السيادية فيها، فهو روح النظام في العراق، وليس مادة ممكن تجاهلها أو التغافل عنها.
إن التصريح الذي صدر ليس تعطيل مؤقت، وإنما وقف العمل وحرمان الراغبين بتأسيس أقاليم جديدة وإلغائه بصورة كلية دائمة، فلا هو تعديل ولا تعطيل مؤقت، إلى ذلك أنّ المادتين (90-91) اللتين تحدّدان صلاحية مجلس القضاء الأعلى، لا تتضمنان تعطيل أو إلغاء أي مادة دستورية، إذاً هو موقف غير دستوري، أي خارج على الدستور، وهو موقف مخالف لطريق الدستور في تعديل مواده، أو تغييرها وتبديلها بغيرها، أو مسحها كلياً، والحجج التبريرية التي تُساق غالباً هو التغييرات الحاصلة في المزاج الشعبي مقارنة بين 2024 و2003، لكن هذا غير ثابت أو لا تصلح لأن الدستور أعطى الحرية لكل من يريد تأسيس الإقليم، من دون إجبار، وبالتالي راعى بذاته الأمزجة غير الثابتة، قد لا ينفذ نهائياً لعدم الرغبة وقد ينفذ جزئياً على المستوى الشعبي، أو لا يلجأ إليه أحد، وربما يُلجأ إليه بعد عقود أو قرون، مع أن المزاج الشعبي الواعي متجه إلى تنفيذ المادة المتعلقة بتأسيس الأقاليم كما حاولت محافظة البصرة قبل سنوات وعرقلتها الإرادة السياسية في تجاهل وتغافل وهروب من التقيّد بالدستور.
ملخص الموضوع
إن الدستور العراقي لم يفوض أحداً بتعطيل موادّه بالشكل الذي نراه، وحدّد المسار للتعديل مراعاة لتغير الحال والأحوال وتجنباً للجمود، وإنّ إلغاء مادة معينة ورفضها إلغاء ورفضاً كليَين دائمَين ليس مخالفة دستورية وإنما هو إنقلاب عليه. فهلِ الرغبة السياسية الحاكمة والصلاحيات القضائية اتفقتا على توجيه العراق توجيهاً لا فدرالياً أو مركزياً، والسير عكس الاتجاه الدستوري؟ هنا وكيفما كان الجواب يأتي دور الرئيس الساهر على حماية الدستور وسلامة تنفيذه.